شهدت منطقة الخليج تصعيداً غير مسبوق بعد تعرض منشآت حيوية في حقل الغاز الإيراني “بارس الجنوبي” لهجمات صاروخية، في تطور يهدد بإعادة رسم معادلات الصراع الإقليمي ويفتح الباب أمام تداعيات خطيرة على أمن الطاقة العالمي، وسط موجة إدانات عربية وتحركات سياسية متسارعة، وتصريحات لافتة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكد فيها أن واشنطن لم تكن على علم مسبق بالهجوم.
هجوم يستهدف شريان الطاقة الإيراني
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن عدداً من منشآت الغاز في منطقة عسلويه، التي تُعد القلب النابض لقطاع الطاقة الإيراني، تعرضت لضربات مباشرة طالت خزانات ومرافق في عدة مراحل من مصافي “بارس الجنوبي”، شملت المراحل الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة.
ووفقاً للتقارير، دوّت انفجارات قوية في المنطقة، فيما سارعت السلطات إلى إخلاء العاملين ونقلهم إلى مناطق آمنة، بالتزامن مع تدخل فرق الإطفاء والإنقاذ للسيطرة على الحرائق ومنع امتدادها إلى منشآت أخرى أكثر حساسية.
وأكد حاكم عسلويه، إسكندر باسالار، أن الهجمات نُفذت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى إخراج بعض الوحدات من الخدمة بشكل مؤقت كإجراء احترازي، مع التأكيد على أن الوضع بات “تحت السيطرة” وعدم تسجيل خسائر بشرية حتى اللحظة.
أهمية استراتيجية لحقل “بارس الجنوبي”
يُعد “بارس الجنوبي” أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، وتمتد مساحته لنحو 9700 كيلومتر مربع، تتقاسمها إيران وقطر، حيث يُعرف الجزء القطري باسم “حقل الشمال”.
ويمثل الحقل ركيزة أساسية لاقتصاد الطاقة العالمي، في ظل امتلاك إيران نحو 17% من احتياطيات الغاز العالمية، رغم أن إنتاجها الفعلي لا يتجاوز 5% من الإجمالي العالمي، ما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات والاستغلال.
ويرى خبراء أن استهداف هذا الحقل تحديداً يحمل دلالات استراتيجية خطيرة، إذ ينقل الصراع من المواجهة العسكرية التقليدية إلى “حرب اقتصادية” تستهدف عصب الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
تحذيرات إيرانية: الرد قادم
في المقابل، اعتبرت وكالة “فارس” الإيرانية أن الهجوم يمثل “انتحاراً استراتيجياً”، محذرة من أن الرد الإيراني لن يقتصر على الأهداف العسكرية، بل قد يمتد إلى بنى تحتية حساسة كانت خارج دائرة الاستهداف سابقاً.
وأشارت مصادر عسكرية إيرانية إلى أن هذا التطور قد يشكل نقطة تحول في مسار المواجهة، مع احتمالات تجاوز “الخطوط الحمراء” والانخراط في مرحلة أكثر شمولاً من التصعيد.
إدانات عربية وتحذيرات من تداعيات كارثية
وعلى الصعيد الإقليمي، توالت الإدانات العربية للهجوم، حيث اعتبرت كل من قطر والإمارات ومصر وسلطنة عمان أن استهداف منشآت الطاقة يمثل تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي واستقرار المنطقة.
وأكدت الدول الأربع في بيانات رسمية أن ضرب البنية التحتية للطاقة ينذر بتداعيات خطيرة تشمل اضطراب الإمدادات العالمية، وارتفاع الأسعار، فضلاً عن المخاطر البيئية وأمن الملاحة.
ودعت هذه الدول إلى ضرورة ضبط النفس، والالتزام بالقانون الدولي، وتجنب استهداف المنشآت الحيوية تحت أي ظرف، محذرة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تخرج عن السيطرة.
كما شددت مصر على أن استهداف منشآت الطاقة، سواء في إيران أو في دول الخليج، يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي ومصالح الشعوب.
الرواية الإسرائيلية والأمريكية
في المقابل، نقلت تقارير عن مسؤولين إسرائيليين تأكيدهم تنفيذ ضربة جوية استهدفت منشأة لمعالجة الغاز في جنوب إيران، بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية.
غير أن مسؤولين أمريكيين أوضحوا أن الرئيس دونالد ترمب لا يميل إلى توسيع نطاق الهجمات لتشمل مزيداً من منشآت الطاقة، رغم علمه المسبق بالضربة، معتبراً إياها “رسالة محدودة” موجهة إلى طهران.
لكن ترمب عاد وأدلى بتصريحات متباينة لاحقاً، قال فيها إن الولايات المتحدة لم تكن على علم بالهجوم الإسرائيلي على منشأة الغاز الإيرانية، مؤكداً في الوقت ذاته أن قطر ليست متورطة بأي شكل في العملية.
وأضاف أن إيران قامت بـ”هجوم غير مبرر” على جزء من منشأة غاز طبيعي مسال تابعة لقطر، مشيراً إلى أن إسرائيل لن تنفذ هجمات إضافية تستهدف حقل “بارس الجنوبي”، نظراً لأهميته الاستراتيجية الكبيرة.

