تضرب موجة جديدة من الغلاء سوق المحمول في مصر في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تزامنت الزيادات مع اضطراب إقليمي واسع شمل الحرب الأميركية على إيران ومخاطر الملاحة في مضيق هرمز، فانتقلت الكلفة من خطوط الشحن وسلاسل الإمداد إلى جيب المستهلك مباشرة، بينما دخل السوق المحلي في حالة ارتباك حادة بين شركات ترفع الأسعار وتجار يشكون الركود ومستهلك لم تعد لديه قدرة على ملاحقة قفزات جديدة في سلعة لم تعد ترفا خالصا بل أداة عمل وتعليم واتصال يومي. وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن تضخم الحضر ارتفع إلى 13.4% في فبراير 2026، وهو ما يضغط أصلا على القوة الشرائية قبل أي صدمة جديدة في سوق الإلكترونيات.
في قلب هذه الأزمة يقف محمد هداية الحداد، عضو مجلس إدارة غرفة الجيزة التجارية ونائب رئيس شعبة تجار المحمول، ليقول إن الزيادات الأخيرة ليست قرارا محليا منفصلا بل انعكاس مباشر لارتفاع تكاليف الشحن العالمية واضطراب الإمدادات، مع تأثر مدخلات الإنتاج الأساسية وارتفاع الأعباء التشغيلية على السوق كله. لكن هذه الرواية لا تبرئ المشهد الداخلي بالكامل، لأن الحداد نفسه عاد في فبراير ليطالب بتدخل رقابي لمراجعة سياسات التسعير لدى الشركات المصنعة داخل مصر، بعدما ظهرت فجوة سعرية كبيرة بين ما يفترض أن تنتجه الحوافز الصناعية من أسعار تنافسية وما يواجهه المستهلك فعلا في المعارض والمحلات.
سوق مرتبك بين حرب الخارج وجشع الداخل
الاضطراب الإقليمي ليس تفصيلا هامشيا في هذه القصة، لأن حركة الشحن نفسها تعرضت لهزة مباشرة منذ تصاعد الحرب على إيران في نهاية فبراير، مع تراجع حركة المرور في مضيق هرمز وارتفاع المخاطر على السفن التجارية، حتى إن مصادر نقلتها رويترز أكدت في 11 مارس أن البحرية الأميركية أبلغت قطاع الشحن بعدم قدرتها على مرافقة السفن هناك بسبب ارتفاع مستوى الخطر. وفي 9 مارس قال الدكتور أحمد الشامي، مستشار النقل وخبير اقتصاديات النقل البحري، إن المسار القادم من شرق آسيا إلى أوروبا تأثر بوضوح، مع توقعات بزيادة أسعار الشحن في الفترة المقبلة نتيجة تسارع الأحداث العسكرية. هذا يعني أن السوق المصرية لا تواجه فقط أزمة سعر، بل أزمة مسار توريد كامل تتحكم فيه الحرب قبل أن تصل البضاعة إلى الميناء.
لكن تعليق كل شيء على شماعة الحرب الخارجية وحدها لا يصمد بالكامل أمام الوقائع المحلية، لأن رئيس شعبة المحمول والاتصالات باتحاد الغرف التجارية محمد طلعت قال في 4 فبراير إن أسعار الهواتف في مصر قفزت بما يصل إلى 20% خلال أيام قليلة، مدفوعة بزيادة تصل إلى 50% في تكلفة مدخلات الإنتاج المحلية منذ بداية العام، كما قال إن الطلب العالمي على مكونات الذاكرة تسبب في نقص المعروض ورفع الكلفة على الشركات. هذه الشهادة مهمة لأنها تكشف أن الأزمة لا ترتبط فقط بالشحن الدولي، بل أيضا بتسعير المصانع المحلية التي تعمل داخل مصر وتستفيد من حوافز وتسهيلات كان يفترض أن تخفف السعر لا أن تضاعف الشكوك حول آليات التسعير.
الرامات تشتعل والتجار يدفعون ثمن الركود
من المصانع العالمية تبدأ حلقة أخرى من الضغط، وهي قفزة أسعار المكونات الدقيقة وعلى رأسها شرائح الذاكرة. شركة TrendForce المتخصصة رفعت في 2 فبراير توقعاتها لزيادة أسعار عقود DRAM التقليدية في الربع الأول من 2026 إلى نطاق 90% إلى 95% على أساس فصلي، كما توقعت صعود NAND Flash بنسبة 55% إلى 60%. هذه الأرقام تشرح لماذا باتت الشركات المصنعة تنقل الزيادة سريعا إلى السعر النهائي، ولماذا صار الهاتف الأرخص مرشحا للارتفاع مثل الهاتف الأعلى سعرا، لأن المكون الأساسي نفسه قفز على مستوى العالم وليس في مصر وحدها.
في هذه النقطة يكرر الحداد أن التجار والموزعين ليسوا صناع هذه الموجة التضخمية بل من ضحاياها، لأن السوق دخل حالة ركود حادة مع تآكل القدرة الشرائية، ولأن هامش الربح تقلص مقابل ارتفاع الإيجارات والأجور وفواتير الكهرباء. هذا الكلام ينسجم مع ما أعلنته الشعبة من مطالبات بإعادة النظر في نسب الربحية ومخاطبة الشركات المنتجة لاعتماد سياسات تسعير أكثر مرونة. لكن المعنى السياسي والاقتصادي الأوضح هنا هو أن السوق يُدار من أعلى، من الشركات الكبرى وسياسات التسعير غير الشفافة، بينما يُترك التاجر الصغير والمستهلك معا في مواجهة الغضب والركود والخسارة.
المستهلك وحده يدفع فاتورة الفوضى
الأزمة إذن لا تقف عند حدود الاستيراد أو تكاليف التشغيل، بل تكشف خللا أعمق في بنية السوق نفسها، حيث تتعدد الأعذار من حرب وشحن ورامات، لكن النتيجة النهائية واحدة، وهي أن المستهلك المصري يدفع أكثر مقابل سلعة لا يحتمل تأجيلها دائما. بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أوضحت في تقريره السنوي لعام 2025 أن إعادة توجيه السفن أطالت الرحلات ورفعت التكاليف التشغيلية وأبقت تقلبات الشحن أعلى من مستويات ما قبل الأزمة، كما حذر التقرير من استمرار المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز خلال 2025 و2026. وعندما تجتمع هذه الضغوط مع تضخم محلي قائم، يتحول أي اضطراب خارجي إلى ذريعة مثالية لقفزة سعرية جديدة في الداخل من دون حماية حقيقية للمستهلك.
ويقدم الخبير الاقتصادي المختص بملفات الشحن والتجارة، في تصريحات رصدتها الجزيرة في 4 مارس، تقديرا أكثر قسوة حين توقع ارتفاع تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 200% و400% في بعض المسارات إذا طال أمد الاضطراب، مع زيادة قد تصل إلى 28 يوما في الرحلة الواحدة. هذه القراءة لا تعني فقط أن الأسعار مرشحة لمزيد من الصعود، بل تعني أن الحديث عن موجة مؤقتة يجب ألا يتحول إلى مخدر سياسي وإعلامي، لأن السوق المصرية سبق أن حولت الأزمات المؤقتة إلى مستويات سعرية دائمة، بينما بقي دخل المواطن في الخلف عاجزا عن اللحاق.
هكذا يبدو المشهد أوضح من كل التبريرات الناعمة، سوق مرتبك، شركات تفرض زيادات، مصانع محلية لا تعكس الحوافز على السعر، تجار يصرخون من الركود، ومستهلك محاصر بين الحرب والتضخم وغياب الرقابة الفعالة. نعم، قد تهدأ حدة الأزمة إذا استقرت الملاحة وتراجعت مخاطر الحرب، لكن الوقائع الحالية تقول إن أزمة المحمول في مصر لم تعد مجرد أثر جانبي لاضطراب خارجي، بل صارت دليلا جديدا على سوق يفتقد الشفافية ويعرف كيف ينقل الصدمة كاملة إلى المواطن، من دون أن يضمن له حتى حق الفهم الواضح لكيفية تسعير ما يشتريه اليوم.

