يكشف عيد الفطر في مصر هذا العام الفجوة الاجتماعية بأقسى صورها. لا يحتاج المشهد إلى شرح طويل. عائلات تتجه إلى المولات والمطاعم ومدن الألعاب الخاصة. وعائلات أخرى تتكدس في الحدائق العامة والمتنزهات الشعبية والأماكن المجانية. الفارق هنا ليس في الذوق. الفارق في القدرة على الدفع. وفي الخلفية تواصل الأسعار الضغط على الجميع، بعدما سجل التضخم السنوي في المدن 13.4% خلال فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، بحسب بيانات البنك المركزي المصري. هكذا يدخل المصريون العيد وهم موزعون بين من يشتري الراحة، ومن يطارد يومًا أقل كلفة، ومن ينسحب من المشهد أصلًا.
خريطة الخروج تفضح خريطة الدخل
المشهد في أيام العيد لم يعد مجرد تنوع طبيعي في أماكن الترفيه. ما يجري يكشف خريطة دخل كاملة. الأسرة التي تذهب إلى مول كبير أو مطعم أو مدينة ألعاب خاصة لا تدفع فقط ثمن الخدمة، بل تدفع ثمن المساحة الأقل زحامًا، وثمن الوقت الأكثر راحة، وثمن الإحساس بأن المناسبة ما زالت تحتمل الإنفاق. في المقابل، الأسرة التي تختار الحديقة العامة أو الكورنيش أو أي مساحة مجانية لا تفعل ذلك باعتباره خيارًا متكافئًا، بل لأنه الحد الذي تسمح به الميزانية بعد استنزافها في الطعام والملابس والمواصلات.
هذا التفاوت لم يعد محصورًا بين طبقة غنية وطبقة فقيرة فقط. الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، قال إن الطبقة الوسطى في مصر لم تختف، لكنها فقدت تجانسها بفعل التحولات الاقتصادية. وهذه الملاحظة تشرح المشهد بدقة. لأن الفجوة لم تعد فقط بين من يملك ومن لا يملك، بل اتسعت داخل الفئات التي كانت تبدو متقاربة قبل سنوات. أسر كانت تتحرك في المجال نفسه، ثم انتهى بها الحال إلى خيارات مختلفة تمامًا في العيد، لا بسبب اختلاف الرغبات، بل بسبب اختلاف القدرة على الاحتمال.
لذلك لم يعد الخروج في العيد تفصيلًا هامشيًا. صار مؤشرًا اجتماعيًا مباشرًا. من يخرج إلى مكان مدفوع يعلن ضمنيًا أنه ما زال قادرًا على تحمّل الكلفة. ومن يذهب إلى المساحات المجانية يعلن، ولو من دون كلام، أن ميزانيته لم تعد تسمح بأكثر من ذلك. ومن يبقى في البيت أصلًا لا يفعل ذلك دائمًا بدافع الراحة أو الخصوصية، بل لأن كلفة الخروج نفسها باتت عبئًا إضافيًا لا يحتمل.
تفاصيل صغيرة تكشف فرقًا هائلًا
الفجوة لا تظهر فقط في مكان الخروج. تظهر أيضًا في تفاصيل تبدو عابرة لكنها كاشفة إلى أقصى حد. نوعية الملابس واحدة من هذه العلامات. حجم المشتريات علامة ثانية. شكل الزيارات العائلية علامة ثالثة. حتى الوجبات التي تُشترى للأطفال أو الألعاب الصغيرة التي تُمنح لهم صارت جزءًا من اختبار طبقي يومي يتكرر في الشارع وأمام المحلات وداخل أماكن التنزه.
في العيد تتضاعف المقارنة. الأطفال يرون ما يرتديه غيرهم. يسمعون أين ذهب الآخرون. يلاحظون من اشترى ومن لم يشتر. وهنا لا تبقى الأزمة اقتصادية فقط. بل تتحول إلى ضغط نفسي داخل البيت نفسه. الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أشار إلى أن المقارنة المستمرة بالآخرين تخلّف آثارًا نفسية سلبية، وتدفع بعض الناس إلى الإحساس بأن حياتهم أقل من حياة غيرهم. هذا الكلام لا يبدو نظريًا في موسم العيد. بل يظهر بوضوح في نظرة طفل يرى الفرح أمامه، لكنه يعرف أن نصيبه منه أقل.
وتزداد القسوة حين تحاول الأسر الحفاظ على الحد الأدنى من صورة العيد رغم ضيق الحال. بعض العائلات تشتري ملابس أقل جودة. بعضها يقلّص الخروج إلى ساعات محدودة. بعضها يختصر الزيارات العائلية بسبب المواصلات. وبعضها يتجنب كل ذلك دفعة واحدة. هكذا يتحول العيد، الذي يفترض أن يكون مناسبة جامعة، إلى مساحة مفتوحة للفروق الاجتماعية، حيث تبدو المقارنة أكثر حدة لأن الجميع يحتفلون في الوقت نفسه لكن بقدرات مختلفة تمامًا.
الأزمة تهبط بالطبقة الوسطى وتعيد توزيع الفرح
الأزمات الاقتصادية المتواصلة هي التي دفعت هذا التفاوت إلى السطح بهذه الصورة الفجة. لم تعد المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في تآكل القوة الشرائية عند شرائح كانت حتى وقت قريب تصنف نفسها ضمن الطبقة الوسطى. هذه الشرائح لم تنتقل دفعة واحدة إلى الفقر الكامل، لكنها هبطت تدريجيًا إلى خيارات أقل كلفة وأقل راحة وأقل حرية في القرار. ومن هنا يمكن فهم الاكتظاظ في الحدائق العامة والأماكن الشعبية، ليس باعتباره مجرد مشهد احتفالي، بل باعتباره مشهدًا اقتصاديًا صريحًا.
الخبير الاقتصادي مدحت نافع قال إن بعض المؤشرات الكلية قد تبدو أفضل، لكن الأعطاب الهيكلية ما زالت تضغط على الاستدامة. هذا التفسير يظهر مباشرة في موسم العيد. لأن المواطن لا يقيس وضعه بالمؤشرات العامة، بل بما يستطيع دفعه من جيبه. فإذا كان غير قادر على شراء احتياجات العيد بحرية، فلن يكون قادرًا على تمويل يوم ترفيهي كامل لأسرته. وإذا كان يتراجع عن شراء قطعة ملابس أو لعبة لطفله بعد سؤال السعر، فلن يملك رفاهية الاختيار بين مول وحديقة. سيذهب إلى ما هو أقل كلفة، أو يلغي الخروج أصلًا.
ومن هنا يرتبط مشهد المولات والحدائق بمشهد الأسواق قبل العيد نفسه. الصورة واحدة تقريبًا. زحام كبير في كل مكان، لكن الإنفاق الحقيقي محدود. الناس تريد الفرح، لكنها تدخل إليه محاصرة بالحسابات. ومن لا يملك ثمن الاحتفال الكامل يكتفي بحدوده الدنيا. لذلك لا تكشف الحدائق العامة في العيد فقط عن ميل المصريين إلى الأماكن المفتوحة، بل تكشف أيضًا حجم التراجع الذي أصاب القدرة على الدفع عند ملايين الأسر.
بهذا المعنى لا يعود عيد الفطر مناسبة عابرة. بل يتحول إلى اختبار اجتماعي سنوي يكشف حجم الانقسام داخل المجتمع المصري. هناك من يملك ثمن الاحتفال كاملًا، فيشتري الراحة والخصوصية والاختيار. وهناك من يراقب الفرح من بعيد، أو يعيشه في مساحته الأضيق، أو يلغيه أصلًا لأن الكلفة أعلى من طاقته. وبين المولات والحدائق العامة لا تظهر فقط فروق في أماكن الخروج، بل يظهر توزيع قاسٍ للقدرة والفرص والإحساس بالمكانة الاجتماعية. العيد هنا لا يصنع الفجوة. لكنه يفضحها بوضوح كامل.

