أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف عدة مواقع في إيران، شملت مقر وحدة الأمن التابعة للحرس الثوري ومركزا للأمن الداخلي، بالإضافة إلى منظومات للدفاع الجوي ومقرا تابعا لمنظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، ضمن عملياته ضد القدرات الصاروخية الإيرانية، في هجوم يعكس انتقال الضربات من أطراف الاشتباك إلى عمق البنية الأمنية والعسكرية داخل إيران، ويؤكد أن العمليات لم تعد محدودة أو تكتيكية بل باتت جزءا من حملة ممتدة تستهدف تفكيك قدرات الرد الإيرانية بشكل مباشر.
وأعلنت السلطة القضائية الإيرانية أن هجوما وقع في جنوب البلاد أسفر عن مقتل وإصابة مدنيين وموظفين قضائيين، في مؤشر على اتساع نطاق الضربات لتشمل مواقع غير عسكرية بشكل مباشر، وهو ما يعكس تحولا واضحا في طبيعة الأهداف، حيث لم تعد العمليات تقتصر على مواقع عسكرية تقليدية بل طالت مؤسسات مدنية وقضائية داخل العمق الإيراني.
وأفادت وكالة ميزان التابعة للهيئة القضائية الإيرانية بوقوع هجوم على موقع قضائي في مقاطعة لارستان بإقليم فارس، مؤكدة أن الموقع “تم استهدافه من قبل العدو”، وأن عددا من الموظفين والمدنيين قتلوا وأصيب آخرون، مع الإشارة إلى أن العدد الدقيق للضحايا لم يُحسم حتى الآن، كما لم يتضح بشكل نهائي ما إذا كان الهجوم غارة جوية مباشرة أو عملية مسلحة على الأرض، وهو ما يضيف مستوى جديدا من الغموض حول طبيعة العمليات الإسرائيلية داخل إيران.
ضربات مركزة على الأمن والصواريخ داخل العمق الإيراني
الهجوم الإسرائيلي الأخير لا يمكن فصله عن نمط تصعيدي واضح بدأ منذ نهاية فبراير، حيث تتجه العمليات نحو استهداف بنية الأمن الداخلي الإيراني إلى جانب القدرات العسكرية، وهو ما يظهر في ضرب مقرات تابعة للحرس الثوري ومراكز أمنية داخلية، إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي ومواقع مرتبطة بالصواريخ الباليستية، وهي أهداف تعكس محاولة تقليص قدرة إيران على الدفاع والرد في الوقت نفسه.
هذا النمط من الضربات يعني أن إسرائيل لم تعد تركز فقط على منع إطلاق الصواريخ، بل تعمل على ضرب منظومة القرار والسيطرة المرتبطة بها، وهو ما يفسر استهداف مقرات أمنية داخلية، لأن تعطيل هذه المراكز يضعف قدرة الدولة على إدارة الداخل أثناء الحرب، وليس فقط إدارة العمليات العسكرية على الجبهات.
الخبير العسكري اللواء سمير فرج يرى أن استهداف مراكز الأمن الداخلي يمثل تصعيدا نوعيا لأنه يهدف إلى إرباك الدولة من الداخل، موضحا أن ضرب الدفاعات الجوية والصواريخ وحده لا يكفي إذا بقيت منظومة القيادة والسيطرة قائمة، ولذلك فإن نقل المعركة إلى هذه المراكز يعكس محاولة كسر التماسك الداخلي الإيراني وليس فقط قدرته القتالية.
خسائر بشرية وغموض في الأرقام
اللافت في هجوم اليوم أن الأرقام المتعلقة بالخسائر لا تزال غير محسومة، حيث أكدت المصادر الإيرانية سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والموظفين، لكنها لم تقدم حصيلة نهائية حتى الآن، وهو ما يعكس صعوبة التوثيق الفوري في ظل استمرار الضربات واتساع نطاقها الجغرافي، خاصة في مناطق بعيدة نسبيا عن خطوط المواجهة التقليدية.
هذا الغموض لا يقلل من دلالة الحدث، بل يعززها، لأن استهداف موقع قضائي وسقوط مدنيين يضع الضربات في نطاق يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، ويفتح بابا واسعا للجدل حول طبيعة العمليات وحدودها، خاصة مع عدم وضوح ما إذا كانت الضربة جوية أو عملية ميدانية، وهو ما يشير إلى تنوع أدوات الهجوم المستخدمة داخل إيران.
الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، يرى أن غياب الأرقام الدقيقة في هذه المرحلة أمر متوقع في الحروب المفتوحة، لكنه يؤكد أن المؤشر الأهم ليس العدد بل نوعية الهدف، موضحا أن ضرب موقع قضائي يعني أن المعركة لم تعد فقط بين جيشين بل أصبحت تمس مؤسسات الدولة المدنية، وهو ما يرفع مستوى التصعيد السياسي إلى جانب العسكري.
حرب ممتدة وتصعيد متبادل
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوترات في الشرق الأوسط مع استمرار الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، حيث دخلت الحرب يومها الـ19 مع تبادل مباشر للضربات، شمل إطلاق صواريخ على تل أبيب والقدس، وهجمات على أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، إلى جانب تحذيرات دولية متزايدة من اتساع نطاق الصراع.
في المقابل، سجلت إسرائيل خسائر بشرية نتيجة الرد الإيراني، حيث قُتل شخصان وأصيب آخرون في هجمات صاروخية استهدفت رمات غان جنوب تل أبيب، كما لحقت أضرار مادية في منطقة حولون، وذلك عقب هجوم إيراني وصف بالعنيف جاء ردا على اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وهو ما يؤكد أن كل ضربة إسرائيلية تقابلها موجة رد إيرانية مباشرة.
الخبير في شؤون الأمن الإقليمي الدكتور محمد فايز فرحات يشير إلى أن ما يحدث الآن هو انتقال الحرب إلى مرحلة الاستنزاف المتبادل، حيث لم تعد أي ضربة قادرة على حسم الصراع، بل تؤدي إلى دورة ردود متتالية، موضحا أن استهداف العمق الإيراني يقابله ضرب العمق الإسرائيلي، وهو ما يجعل المدنيين في الجانبين جزءا من المعادلة بشكل متزايد.
الخلاصة أن ضربات 18 مارس تعكس مرحلة أكثر خطورة في الحرب، حيث تتوسع الأهداف لتشمل مراكز أمنية وقضائية داخل إيران، مع سقوط قتلى مدنيين وغموض في الحصيلة، في وقت تستمر فيه الضربات المتبادلة دون مؤشرات على التهدئة، ما يعني أن الصراع لم يعد قابلا للاحتواء السريع، بل يتحرك نحو تصعيد أوسع يطال بنية الدولتين والمجتمعين معا.

