أنس بيرقلي

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة التركية الألمانية بإسطنبول، تركيا.

فريد حافظ

باحث أول في "مبادرة الجسر" بجامعة جورجتاون في واشنطن العاصمة، وهي مبادرة تتابع الإسلاموفوبيا السياسية.

 

يعد اليوم الدولي لمكافحة الإسلاموفوبيا- الذي أقرته الأمم المتحدة- فرصة للتأمل في عشر سنوات من إصدار "التقرير الأوروبي للإسلاموفوبيا"، حيث يسهم فيه أكثر من ثلاثين باحثا ينشرون ما يزيد على 25 تقريرا قُطريا كل عام يرصدون واقع القضية وتطورها، بصورة مستمرة منذ 2015.

 

ورغم أن هذه المراجعة لا تدعي الشمول، فإنها تقدم رؤى حول صناعة التقرير والإنجازات المتحققة، والاتجاهات المتدهورة، فضلا عن نظرة مقتضبة إلى المستقبل.

 

البداية

 

عام 2014، قبل أن تدمّر الحرب سوريا وتجبر الملايين على النزوح، اتخذنا قرار إطلاق مشروع يغطي تطور الإسلاموفوبيا أو العنصرية ضد المسلمين في أنحاء أوروبا كافة.

 

حتى ذلك الحين، انشغل الأدب الأكاديمي بالظاهرة في أوروبا الغربية بالدرجة الأولى، التي تضم جاليات مسلمة أكبر بكثير مقارنة بدول أوروبا الشرقية، باستثناء تلك التي لديها أقليات مسلمة أصيلة.

 

لم نكن نتوقع ما سيتلو ذلك: تسييس الإسلام من قبل السلطات الحاكمة في كثير من دول أوروبا الشرقية، ولا سيما مجموعة فيشغراد الأربع: (المجر، وبولندا، وتشيكيا، وسلوفاكيا)، بصرف النظر عن التيار السياسي الممسك بالسلطة.

 

 ما هي دوافع هذا التحرك؟

 

نشأت الحاجة إلى هذا المشروع من ضرورة مواجهة التشكيك الأوروبي الواسع في وجود الإسلاموفوبيا أصلا. فأينما ألقينا محاضرات أو دعينا لها، كان المجتمع المدني المسلم يشكو من أن تنبيهه إلى مشكلة العنصرية ضد المسلمين يقابل بالتجاهل التام.

 

من المستوى المحلي إلى المستوى الأوروبي، كان الرد المعتاد واحدا: أين الدليل؟ كان ذلك حافزا ودافعا لتقديم هذا الدليل، من خلال جمع باحثين من كل البلدان التي نريد تغطيتها.

 

في تلك السنوات كان مفهوم الإسلاموفوبيا محل جدل حاد. كان كتّاب الرأي في وسائل الإعلام ينشرون بانتظام مقالات تهوّن من الظاهرة، أو تطعن في المفهوم ذاته، بل يروجون لنظريات مؤامرة حول اختراع المصطلح من قبل رجال دين في دول إسلامية.

 

بعد عشر سنوات، لا يزال إنكار العنصرية ضد المسلمين في أعلى مراتب السلطة، مشكلة خطيرة. وبدون الاعتراف السياسي لا يمكن أن يتحقق حل حقيقي ولا تحسن فعلي.

 

عمليا، لا تزال الإسلاموفوبيا غير معترف بها على نطاق واسع، وكثيرا ما تنفي حكومات أوروبية وأحزاب سياسية ومؤسسات وصحفيون ومثقفون وجودها بالمرة.

 

وتستخدم إستراتيجيات شتى لإنكارها أو التقليل من شأنها: بعض الفاعلين يرفضون المفهوم كليا زاعمين أنه غير موجود، فيما يحاول آخرون التهوين من حجمه أو خطورته.

 

وكثيرا ما تلجأ الشخصيات والشبكات المعادية للمسلمين إلى سرديات تآمرية مفادها أن العنصرية ضد المسلمين ليست سوى مفهوم ملفق يروج له "إسلاميون" لإسكات النقد المشروع للفكر الإسلامي والمسلمين. ومن الإستراتيجيات الشائعة أيضا تجنب المصطلح ذاته، رفضا للاعتراف بالنقاش حوله أو إضفاء الشرعية عليه.

 

وبدلا من مصطلحات مثل "الإسلاموفوبيا" أو "العنصرية ضد المسلمين"، تستخدم تعبيرات أخف وطأة مثل "المشاعر المعادية للمسلمين" أو "التحيز"، وهي تعبيرات تغفل الأبعاد البنيوية والمؤسسية للعنصرية المتجذرة في الإسلاموفوبيا، وتختزلها في مجرد مواقف فردية، أو تحيزات شخصية.

 

حلفاء واعون

 

في المقابل، وُجدت دائما فئات أدركت خطورة المسألة، وكانت واعية تماما بحجة طرحناها في وقت مبكر: العنصرية ضد المسلمين ستضر الجميع، لأنها لا تهدد الحرية الدينية للمسلمين فحسب، بل حرياتهم المدنية أيضا، وهو ما سيرتد كالسهم إلى راميه على مجتمعات أخرى، ويقود في نهاية المطاف إلى تآكل الحقوق الديمقراطية. بعبارة أخرى: ما يحدث للمسلمين اليوم قد يحدث لأي أحد غدا.

 

 ما الذي تحسن؟

 

وبالفعل، قدمنا هذه النتائج في منتديات متعددة، بعضها موجه لصانعي السياسات: من البرلمان الأوروبي إلى مجلس أوروبا، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة، وصولا إلى برلمانات وطنية في أنحاء أوروبا.

 

وكان بعضها الآخر موجها نحو القاعدة الشعبية، حيث شاركنا نتائجنا مع منظمات المجتمع المدني المناهضة للعنصرية و/أو المسلمة المكرسة لمحاربة الإسلاموفوبيا.

 

وقد لمسنا كيف نفذت بعض الدول الأوروبية تغييرات ببطء لكن بثبات: من دول محورية في الاتحاد الأوروبي كألمانيا التي أدرجت العنصرية تجاه المسلمين في إحصاءاتها لجرائم الكراهية ضدهم، إلى تعيين منسق على مستوى الاتحاد الأوروبي، أنيطت به رسميا مهمة التصدي للمشكلة على المستوى الأوروبي، كما عين مجلس أوروبا ممثلا خاصا لجرائم الكراهية ضد السامية، وضد المسلمين عام 2020.

 

وفي عام 2022 أعلنت الأمم المتحدة الخامس عشر من مارس يوما دوليا لمكافحة الإسلاموفوبيا، وهو ما نعتبره محطة فارقة ومرحلة جديدة في الاعتراف بالمشكلة وضرورة التصدي لها. وأخيرا في عام 2023، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يطلب من الأمين العام تعيين مبعوث خاص لمكافحة العنصرية ضد المسلمين.

 

ورغم أن هذه التحسينات وتلك الخطوات كانت بعيدة عن الكمال في تصورها وتنفيذها، فإنها أثبتت أن المشكلة لم تعد قابلة للإنكار، وأن ثمة ما يجب فعله حيالها.

 

وعلى صعيد المجتمع المدني، ارتفع عدد الأنشطة والمشاريع طويلة الأمد، وتأسست جمعيات جديدة مكرسة للنضال الوقائي، والفعال ضد الإسلاموفوبيا: من جمعيات تعمل على تحسين رصد بيانات جرائم الكراهية ضد المسلمين على المستوى الوطني، إلى مجموعات توفر فضاءات آمنة لمواجهة العنصرية المعرفية داخل مجتمعاتها ذاتها، إلى بناء تحالفات تقاطعية مع مجتمعات مهمشة أخرى في مواجهة الكراهية.

 

ومرة أخرى، رغم الحاجة لإمكانيات لتوسيع الوعي وسد الثغرات القائمة، فإن المقارنة بين مشهدي 2025، و2015 تكشف عن تحول عميق.

 

 ما الذي تدهور؟

 

في الوقت ذاته، نرصد اتجاها مقلقا بصورة متصاعدة، وهو اتجاه سياسي من الأعلى إلى الأسفل أكثر منه مجتمعيا، لكنه ذو آثار مجتمعية: جعلت عدة دول أوروبية من مأسسة الإسلاموفوبيا سمة محورية في سياساتها.

 

فقد باتت فرنسا والنمسا رائدتين في تجريم العمل ضد الإسلاموفوبيا، عبر إغلاق جمعيات رصد العنصرية ضد المسلمين؛ بتسخير تشريعات مكافحة الإرهاب؛ لقمع الفاعلية المسلمة المستقلة التي تتحدى التجريم الذي تقوده الدولة.

 

وتحت غطاء مكافحة "الإسلام السياسي"، أعادت هذه الحكومات صياغة هجومها على حرية التعبير وتكوين الجمعيات للإفلات من أي انتقاد لانتهاكاتها حقوق الإنسان. كما تعد قوانين "الغيتو" سيئة السمعة في الدانمارك مثالا آخر على حرمان عنصري لمواطنين مسلمين ما يجعلهم عمليا فئة من الدرجة الثانية.

 

ورغم أن جميع الدول الأوروبية أيدت قرار الأمم المتحدة باعتماد الخامس عشر من مارس يوما دوليا لمكافحة الإسلاموفوبيا، يكشف رصدنا أن الحكومات والمسؤولين الرسميين وحتى الأحزاب السياسية لا تكلف نفسها ولو بمجرد كلام إنشائي بمناسبة هذا اليوم على الصعيد المحلي، إذ تتجاهل الأغلبية الساحقة من الدول وجوده بالمطلق.

 

تبقى النرويج الدولة الوحيدة التي طرحت إستراتيجية وطنية لمكافحة الكراهية، بينما لم تدرج معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي العنصرية ضد المسلمين ضمن إستراتيجياتها الوطنية.

 

وفي الوقت نفسه، نجح اليمين المتطرف المنظم في تطبيع الإسلاموفوبيا الصريحة في الفضاء العام، مع بروز أحزاب جديدة ونجاح عابر للقارة لأحزاب اليمين المتطرف، إلى جانب مجموعات يمينية متطرفة سرية عنيفة تستهدف حياة الملونين بمن فيهم المسلمون.

 

ما رصدناه خلال السنوات العشر الأخيرة تؤكده أيضا مسوح أوروبية واسعة. وفي هذا السياق، تبدو المقارنة بين تقريرَي وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية لعامَي 2016 و2024 بالغة الدلالة.

 

فتقرير الوكالة المعنون "أن تكون مسلما في الاتحاد الأوروبي – تجارب المسلمين"، يؤكد تفاقم الأوضاع بالنسبة للمسلمين في كثير من دول الاتحاد، مقارنة بالمسح السابق عام 2016.

 

وفقا لتقرير الوكالة، ارتفع تعرض المسلمين في أوروبا للتمييز العنصري ارتفاعا حادا، إذ أفاد نحو نصف المستطلعين (47%) بتعرضهم لتجارب تمييزية خلال السنوات الخمس الأخيرة، صعودا من 39% عام 2016، بينما أبلغ أكثر من ثلثهم (35%) عن التعرض للتمييز خلال العام الأخير، مقارنة بـ25% في وقت سابق.

 

ويتركز التمييز بصورة خاصة في سوقَي العمل والسكن: إذ واجه نحو اثنين من كل خمسة مسلمين (39%) تحيزا عنصريا عند البحث عن عمل، بزيادة ملحوظة عن 31% عام 2016.

 

ويواجه الشباب المسلمون المولودون في أوروبا مخاطر أعلى، لا سيما النساء اللواتي يرتدين لباسا دينيا. فمن بين الفئة العمرية 16-24 عاما، أفادت نسبة 58% من النساء المرتديات لباسا دينيا بتعرضهن للتمييز في سوق العمل، مقارنة بـ38% من نظيراتهن اللواتي لا يرتدينه.

 

وفي الوقت ذاته، لم يطرأ تحسن فيما يخص المضايقات والعنف العنصري، إذ تعرض 27% لمضايقات و4% لاعتداءات جسدية، وهي أرقام لم تتغير منذ عام 2016.

 

ومن الاتجاهات المثيرة للقلق أيضا ارتفاع إدراك التنميط الشرطي التمييزي: حيث اعتقد نحو نصف الذين أوقفتهم الشرطة خلال العام السابق للمسح (49%) أن السبب هو خلفيتهم العرقية أو المهاجرة، صعودا من 42% عام 2016.

 

ورغم هذه الزيادات، تبقى معدلات الإبلاغ متدنية للغاية. فمع أن معظم الحوادث لا تزال دون إبلاغ، سُجل ارتفاع طفيف في الإبلاغ عن الاعتداءات العنصرية للسلطات، من 23% عام 2016 إلى 30% عام 2022. وكانت الأرقام مرتفعة بشكل خاص في النمسا، وألمانيا، وفنلندا.

 

 ما العمل من هنا؟

 

تظهر هذه اللقطة المكثفة أن تطور الإسلاموفوبيا ليس خطّا ذا اتجاه واحد. فبينما تحققت خطوات صغيرة ناجحة، قد يبدو هامش التحسين أحيانا بعيد المنال.

 

يمثل إحجام أصحاب السلطة عن معالجة المشكلة تحديا رئيسيا بلا شك، لكن قدرة الشعوب على الضغط تتعاظم هي الأخرى. والجهود المنظمة للمضي قدما تزداد بروزا، لا سيما أن التطورات السلطوية والمعادية للديمقراطية تكشف حجم الارتباط الوثيق بين العنصرية ضد المسلمين وتدابير أخرى تهدد الحريات الأساسية لمجتمعات أوسع: من حرية التعبير، إلى الحرية الدينية، إلى تكوين الجمعيات.

 

لا بد من مواصلة البناء على هذه التشابكات متزايدة الوضوح، التي لن تزداد إلا عمقا في مواجهة تدابير التقشف المتصاعدة والهجمات على الحركات المناهضة للاستبداد.

 

سيظل رصد هذه التطورات عبر تقديم رؤى من خبراء محليين في هذه البلدان بعدا جوهريا لإدامة هذا العمل وتعزيزه.