"أهلاً بكم.. هذه أول نشرة إخبارية من قناة الجزيرة في قطر"، كانت هذه أول إطلالة لمذيع على شاشة قناة "الجزيرة" القطرية في عام 1996، والتي أصبحت فيما بعد واحد من أهم القنوات الإخبارية في العالم، وشكلت طفرة في العمل الإخباري بالعالم العربي، بعد أن رفعت منذ اليوم الأول شعارها الشهير: "الرأي والرأي الآخر".
شعر المذيع الفلسطيني جمال ريان في بداية البث بخفقان في القلب، لكنه سرعان ما اكتسب الثقة بنفسه، وأطل على الجمهور للمرة الأولى بظهوره المتألق، وأصبح على مدار ثلاثة عقود واحدًا من أبرز إعلاميي القناة القطرية، وأشهر من أجرى حوارات اتسمت بالجرأة والخروج عن النسق المعهود للمقابلات الإعلامية.
إحراجه لبيريز على الهواء
ولن ينسى المشاهد العربي يوم أن أجرى ريان مقابلته مع شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي وفاجأه بقوله له: "أنت تسكن في بيتي.. وعندي وثائق". هنا اختلط العمل الإعلامي بالنضال والدفاع عن القضية والوجود الفلسطيني، وقد كان حقًا صادقًا في ذلك، فقد كان لديه ما يثبت أحقيته في ذلك المنزل الذي اغتصبه بيريز.
وقال: "أنا حسيت إني في موقف إني أدافع عن حقي كشخص، وكان في مقابلة هاتفية مع بيريز وقتما كان الأخير وزيرًا للخارجية، ودارت حول عملية السلام، واستمرت المقابلة لمدة ثماني دقائق، وفي نهاية اللقاء تملكني شعور وإحساس أنني لابد أن أطرح عليه سؤالاً، وطلبت من المنتج أن يمنحني الفرصة لتوجيه سؤال إلى بيريز: "شيمون بيريز: بيتك على أرضي.. عندي وثائق.. فأجاب: إحنا دولتنا صغيرة، لكن أنتم الفلسطينيين لديكم أكثر من دولة عربية".
ارتباطه بموطنه
ربما هذا يعكس شعور ريان وغيره من الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم مطرودين من أراضيهم، ولا يملكون حق العودة، وكأنها صرخة غضب يطلقها من أعماق قلبه علها تجد صدى في نفوس المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية، وأحقية اللاجئين في العودة إلى وطنهم.
فلم ينس ريان جذوره وارتباطه بمسقط رأسه في مدينة طولكرم الفلسطينية بالضفة الغربية حيث ولد في 23 أغسطس 1953، وهناك تلقى تعليمه في مدارس مدية طولكرم حتى عام 1967؛ حيث غادرها متوجهًا إلى الأردن جراء حرب النكسة.
مسيرة إعلامية بارزة
وانطلقت مسيرة ريان - الذي يحمل الجنسية الأردنية- الإعلامية قبل أكثر من خمسة عقود، وعمل مقدمًا للأخبار والبرامج السياسية في الإذاعة الأردنية عام 1974، ثم انتقل للعمل في التلفزيون الأردني، وفي عام 1979 التحق بقسم الأخبار في هيئة إذاعة كوريا الجنوبية، ثم عمل بقناة أبو ظبي في الإمارات العربية، وكان ممن أطلقوا البرنامج الإخباري "المدار"، والبرنامج السياسي "البعد الرابع"، كما كان مقدمًا للأخبار والبرنامج السياسي "العالم هذا المساء" في تلفزيون أبو ظبي عام 1989.
كمقدم برامج إخبارية وسياسية على التلفزيون والإذاعة الأردنية في عام 1974، ومن ثم تنقل بين محطات إعلامية عربية ودولية، من بينها هيئة الإذاعة الكورية الجنوبية، وتلفزيون الإمارات، وقناة بي بي سي العربية.
أول مذيع بالجزيرة
وانضم عام 1994 لهيئة الإذاعة البريطانية العربية (BBC)، ثم التحق عام 1996 بقناة الجزيرة في قطر، ليكون أول مذيع يظهر على شاشة القناة، وأصبح لاحقًا أحد أبرز رموز القناة، وأشهر قراء النشرات على شاشتها، بإطلالته المميزة، وصوته المليء بالحماس والقوة، على الرغم من أنه كان يعاني من إعاقة جسدية.
وريان عضو في "الجمعية الملكية الأردنية لهواة الراديو"، كما أنه من أهم الداعمين للقضية الفلسطينية من خلال مشاركته في المؤتمرات والفعاليات الفلسطينية في أوروبا والولايات المتحدة.
وبعد مسيرة إعلامية حافلة، لقي "أبو مراد" ربه يوم الأحد 15 مارس 2026، وفجرت واسعة أجواءً من الحزن بين ملايين المشاهدين الذين تعلقوا به على مدار عقود، كان خلالها وفيًا لقضيته مؤمنًا بعدالتها.

