تواصل حكومة الانقلاب سياساتها الاقتصادية المدمرة بالاعتماد الكلي على الاقتراض المفرط لسد عجز الموازنة المتفاقم. أعلن البنك المركزي المصري طرح أذون خزانة بقيمة خيالية تبلغ 95 مليار جنيه يوم الأحد المقبل، نيابة عن وزارة المالية. هذا الطرح الجديد ليس إلا حلقة جديدة في مسلسل الاستدانة الذي يغرق البلاد في مستنقع الديون، ويرهق كاهل الأجيال القادمة. الحكومة التي تدعي زيفاً سعيها للإصلاح المالي، لا تجد حلاً لأزماتها سوى الاستمرار في هذا النهج الانتحاري، متجاهلة التحذيرات المتصاعدة من خطورة هذا المسار على الأمن القومي والاقتصادي.

 

الطرح الجديد يتضمن ثلاثة عطاءات بآجال مختلفة، الأول بقيمة 25 مليار جنيه لأجل 91 يوماً، والثاني بـ 45 مليار جنيه لأجل 273 يوماً، والثالث بقيمة 25 مليار جنيه لأجل 336 يوماً. هذه الآجال القصيرة تعني أن الحكومة تستدين لتسديد ديون سابقة، في دائرة مفرغة لا تنتهي من الفوائد المتراكمة. الاعتماد على أذون الخزانة كأداة دين رئيسية أصبح السمة الأبرز لسياسات هذه الحكومة الفاشلة، حيث تشارك البنوك والمؤسسات المالية في هذا النزيف المستمر لأموال المودعين والمواطنين، بدلاً من توجيهها للاستثمار الحقيقي والإنتاج.

 

أوهام خفض تكلفة الدين

 

تروج الأبواق الحكومية لكذبة جديدة مفادها أن تكثيف طروحات أذون الخزانة في مارس 2026 يأتي كجزء من استراتيجية مزعومة لخفض تكلفة الدين العام. وتتذرع هذه الأبواق بالاستفادة من خفض أسعار الفائدة الأساسية بنسبة 1% في فبراير الماضي، حيث يبلغ متوسط العائد المرجح لأذون الخزانة حوالي 24.61%. هذا التبرير السخيف يتجاهل حقيقة أن الفوائد، حتى مع هذا الانخفاض الهامشي، لا تزال عند مستويات فلكية تلتهم النسبة الأكبر من إيرادات الدولة، مما يجعل أي حديث عن خفض حقيقي لتكلفة الدين مجرد تضليل إعلامي مفضوح.

 

الدكتورة عالية المهدي، العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كشفت حجم الكارثة بالأرقام القاطعة. وأكدت المهدي أن إجمالي الأقساط والفوائد التي تتحملها الدولة بات يمثل نحو 142% من إجمالي الإيرادات العامة. وأوضحت بوضوح أن هذا الاختلال الهيكلي الحاد يعني أن الموازنة العامة دخلت "غرفة الإنعاش"، وأن الدولة فقدت السيطرة تماماً على مقدراتها المالية. هذه الشهادة الاقتصادية الدامغة تعري زيف الادعاءات الحكومية، وتؤكد أن سياسة الاقتراض لسداد فوائد الديون هي جريمة اقتصادية مكتملة الأركان بحق هذا الشعب.

عجز شامل وانهيار وشيك

 

نتائج آخر طرح لأذون الخزانة تكشف مدى شهية البنوك لالتهام هذه العوائد المرتفعة على حساب الاقتصاد الحقيقي. في الطرح الأخير لأذون 182 يوماً و364 يوماً، بلغت العروض المقدمة نحو 126.7 مليار جنيه. طلبت المالية اقتراض 40 مليار جنيه لأجل 182 يوماً، فتلقت عروضاً بأكثر من 71 مليار جنيه، وقبلت منها 51.84 مليار جنيه بعائد وصل إلى 23%. وفي عطاء 364 يوماً، استهدفت جمع 50 مليار جنيه، وتلقت عروضاً بأكثر من 55 مليار جنيه، لتقبل منها 16.39 مليار جنيه بعائد سجل 24.7%. هذه الأرقام تؤكد أن البنوك تفضل الاستثمار الآمن في الديون الحكومية، مما يخنق القطاع الخاص ويمنع عنه التمويل اللازم.

 

هذا المسار الكارثي لا يهدد فقط الاستقرار المالي، بل يمتد لتهديد أبسط مقومات الحياة للمواطنين. الدكتورة سالي صلاح حذرت في وثيقة مثيرة للجدل من عواقب هذا الحائط المنيع من الديون الذي لم يعد يمكن تجاوزه. وأكدت أن إيرادات الدولة التي لا تكفي لخدمة الدين تنذر بعجز وشيك عن استيراد السلع الأساسية كالقمح والدواء والوقود. وأضافت أن هذا الانهيار المالي قد يؤدي إلى توقف كامل للخدمات وحتى عجز عن دفع الرواتب، واصفة الدولة بأنها "أوشكت على الإفلاس".

 

وفي سياق متصل، حذر الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، من استمرار هذه السياسات الترقيعية التي لا تعالج جذور الأزمة. وأشار إلى أن الاعتماد المستمر على إصدار أدوات دين محلية جديدة بعشرات المليارات أسبوعياً هو هروب للأمام. وأوضح أن الفجوة التمويلية تتسع باستمرار، وأن محاولات سد العجز عبر أذون الخزانة هي كمن يحاول إطفاء حريق بصب المزيد من الوقود عليه. وأكد أن الحل الوحيد يكمن في وقف هذا الهدر المالي والتوجه نحو سياسات إنتاجية حقيقية، وهو ما تفتقده هذه الحكومة بشكل كامل.