أعادت زيادة أسعار أسطوانات البوتاجاز مشاهد الطوابير والاشتباكات والغضب الشعبي إلى الواجهة، بعد ظهور أهالي قرية في قنا مصطفين للحصول على الأسطوانات بالتزامن مع إعلان وزارة البترول زيادة جديدة في الأسعار. المشهد لم يكن منفصلًا عن السياق الأوسع.
الزيادة مست الوقود والغاز معًا. ثم انتقلت سريعًا إلى النقاش العام على مواقع التواصل، حيث تصاعدت المقارنات مع أسعار سابقة، وخرجت اتهامات للحكومة بأنها تدفع المواطنين إلى مزيد من الاختناق المعيشي، بينما تتعامل مع الأزمات اليومية باعتبارها تفاصيل يمكن احتواؤها بالدعاية أو القبضة الأمنية. ما جرى في قنا كشف شيئًا أبعد من أزمة توزيع. كشف أن أسطوانة البوتاجاز عادت مرة أخرى عنوانًا مباشرًا للفقر والغضب وفشل إدارة السوق.
الطوابير عادت والزيادة كشفت هشاشة السوق
أظهر مقطع متداول اصطفاف أهالي قرية في قنا للحصول على أسطوانات البوتاجاز في توقيت حساس جاء متزامنًا مع قرار رسمي برفع الأسعار. أهمية هذا المشهد أنه يعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر الأزمات التصاقًا بحياة الفقراء. أسطوانة البوتاجاز ليست سلعة هامشية. هي وسيلة الطهي الأساسية لملايين الأسر. وعندما تظهر الطوابير من جديد، فالمسألة لا تتعلق فقط بسعر رسمي جديد، بل بقدرة الناس أصلًا على الوصول إلى ما يحتاجونه في الوقت المناسب وبالسعر المعلن.
أهالي قرية في #قنا يصطفون للحصول على أسطوانات البوتاجاز بالتزامن مع إعلان وزارة البترول عن زيادة جديدة في أسعارها pic.twitter.com/Yp2txzp7xT
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) March 11, 2026
القلق لم يتوقف عند الطابور. فقد تداولت منصات خبر مشاجرة داخل مستودع غاز في قنا بين مواطن وعاملين بسبب رغبته في تغيير أسطوانة، وقالت الداخلية إنها ضبطت طرفي المشاجرة. هذا التطور يكشف كيف تتحول أزمة معيشية بسيطة ظاهريًا إلى احتكاك يومي مباشر بين المواطن والسوق والجهات المنفذة. وحين تصل الأسطوانة إلى هذا المستوى من التوتر، تصبح الأزمة اجتماعية قبل أن تكون خدمية.
مشاجرة في مستودع غاز بقنا بين مواطن وعاملين لرغبته في تغيير أسطوانة والداخلية تضبط طرفي المشاجرة pic.twitter.com/uXiHSFJWa7
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) March 11, 2026
ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن أسعار الطاقة لا تبقى داخل قطاعها، بل تنتقل سريعًا إلى تكلفة النقل والغذاء والخدمات، وهو ما يجعل أي نقص في المعروض أو اضطراب في التوزيع أكثر خطورة من الزيادة نفسها.
فالفقراء لا يملكون بدائل. وإذا اجتمع ارتفاع السعر مع صعوبة الحصول على الأسطوانة، تتحول الأزمة إلى ضغط مركب على الأسرة محدودة الدخل.
غضب واسع ومقارنات تفضح رواية “النجاح”
الردود الغاضبة على مواقع التواصل لم تأت من فراغ. الناشط محمد عبد الرحمن اختصر المقارنة في سطر واحد حين أشار إلى أن السيسي تسلم السلطة وسعر الأسطوانة 5 جنيهات، ثم سخر ممن يقدمون هذا المسار باعتباره نجاحًا. اللغة المستخدمة في التغريدة حادة وصدامية، لكنها تعكس مزاجًا شعبيًا يرى أن السلطة تريد من الناس أن تتعامل مع التدهور المتواصل كأمر طبيعي.
السيسي استلمها ب 5 جنيه.
— MOHAMED ABDELRAHMAN (@mohamed041979) March 11, 2026
و المعرعرين ولاد الوزه بيقنعوك ان ده 👇 نجاح .
اللي يشوف حد من العيال دي لازم يديله بالجزمه علشان يفوق من الغيبوبه. #يحيا_المصري_لتحيا_مصر #GenZ002 pic.twitter.com/l406nwN6dA
وفي السياق نفسه سخر “المجلس الثوري” من مسار الزيادات، مطالبًا تهكمًا بوصول الأنبوبة إلى 350 جنيهًا. السخرية هنا ليست خفيفة. هي تعبير عن فقدان الثقة الكامل في سقف الزيادة، وعن اقتناع متزايد بأن الحكومة لا تملك إلا رفع الأسعار ثم مطالبة الناس بالتكيف مع النتائج.
أنا عايزكم تزودوا البنزين ٣ جنيه وانبوبة الغاز توصل ل ٣٥٠ جنيه#رأس_الأفعى
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) March 11, 2026
*منقول* pic.twitter.com/F9lhgYF63s
الصحفي علي بكري لخص بدوره التناقض الرسمي. قال إن الحكومة أعلنت زيادة أسعار الوقود والغاز بنسب تتراوح بين 14% و30%، لتكون هذه هي الزيادة الثالثة خلال آخر 12 شهرًا، ثم بررت القرار هذه المرة بظروف أسواق الطاقة العالمية بسبب حرب إيران. السؤال الذي طرحه كان مباشرًا: إذا كانت الحرب هي مبرر الزيادة الحالية، فما مبرر الزيادتين السابقتين خلال أقل من سنة واحدة؟
الحكومة بتعامل المصريين بمبدأ لو تعثرت دابة في أي مكان في الدنيا لَسُئِل عنها المواطن المصري.
— Ali Bakry (@_AliBakry) March 10, 2026
من شوية وزارة البترول أعلنت زيادة #أسعار_الوقود والغاز بنسب تتراوح بين 14 و30% وبكدة تكون دي الزيادة الثالثة اللي عملتها الحكومة خلال آخر 12 شهر.
الحكومة بتقول ان سبب الزيادة المرة… pic.twitter.com/T0sYS6xjCN
الناشطة رانيا الخطيب ربطت بين رفع أسعار البنزين والسولار والغاز وخفض سعر الجنيه تحت وسم ساخر. هذا الربط مهم لأنه يوسع الصورة. الأزمة ليست قرارًا منفصلًا. هي جزء من سلسلة سياسات دفعت تكلفة المعيشة كلها إلى أعلى.
زود البنزين والسولار والغاز وخفض سعر الجنيه #حلاوة_البدايات pic.twitter.com/av8etKv50q
— Rania Elkhateeb (@ElkhateebRania) March 10, 2026
ويقول الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن تتابع الزيادات بهذه الوتيرة يفقد السوق أي استقرار، ويجعل الأسرة عاجزة عن ترتيب إنفاقها الشهري. فحين ترتفع الطاقة أكثر من مرة في سنة واحدة، لا تعود المشكلة في القرار المنفرد، بل في الرسالة العامة التي تقول إن كلفة الحياة مفتوحة على مزيد من الصعود.
من أزمة سعر إلى أزمة ذاكرة سياسية وحساب اجتماعي قاسٍ
الحقوقي هيثم أبو خليل ذهب إلى جوهر آخر في الأزمة. لم يكتفِ بذكر الزيادات الأخيرة في البنزين والسولار وغاز السيارات والبوتاجاز وغاز المنازل، بل قال إن الحكومة كان يمكنها توفير هذه الزيادات من بنود أخرى مثل القصور والمواكب والبذخ. هذا الطرح يعكس شعورًا واسعًا بأن السلطة لا توزع أعباء الأزمة بعدالة، بل تحملها دائمًا للفئات الأضعف.
رفع أسعار البنزين والسولار 3 جنيهات للتر وغاز السيارات 3 جنيهات للمتر والبوتاجاز 75 جنيهًا للأسطوانة وزيادة أسعار غاز المنازل!
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) March 10, 2026
كان يمكن توفير زيادة أسعار البترول
من بنود أخرى مثل ترشيد القصور والمواكب والبذخ ! pic.twitter.com/Hkw8MbtCHF
وفي تغريدة أخرى عرض أبو خليل مسار سعر الأسطوانة من 2012 إلى 2026، وقال إن الزيادة بلغت 5400%، من 5 جنيهات إلى 275 جنيهًا.
حتى لو اختلف الجدل حول بعض محطات التسعير الوسيطة، فإن المغزى السياسي والاجتماعي واضح: الأسطوانة التي كانت رمزًا للأزمة في سنوات سابقة تحولت الآن إلى دليل رقمي متراكم على اتساع فجوة المعيشة.
رحلة أسطوانة البوتاجاز
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) March 10, 2026
من2012: 2026
بزيادة5400%
2012⬅️ 5جنيهات
2013⬅️ 8جنيهات
2016⬅️ 15جنيهًا
2017⬅️ 30جنيهًا
2018⬅️ 50جنيهًا
2019⬅️ 65جنيهًا
2021⬅️ 70جنيهًا
2022⬅️ 75جنيهًا
2024⬅️ 150جنيهًا
أبريل2025⬅️200 جنيه
أكتوبر2025⬅️225 جنيه
2026⬅️275
فيديو لأدوات مستهلكة لقناة منهكة👇 pic.twitter.com/nDBScmiU8P
هذا المعنى تعزز مع استدعاء الذاكرة السياسية.
إسلام معوض كتب عن السخرية القديمة من “استبن الغاز” في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، وربط بين أزمات الأسطوانات وقتها وبين دور مؤسسات الدولة.
دول ممثلين مصريين كانوا بيسخروا على الرئيس محمد مرسي لانه دخل الانتخابات بدلا من خيره الشاطر فكانوا يطلقون عليه لقب الاستبن كما ان يوجد في البيت جاره للغاز احتياط..
— اسلام معوض (@eslam_moawda) March 11, 2026
وبعضهم قال انه كان بسبب غلاء الغاز وقت حكمه وكان سبب الرئيسي هو الجيش وافعاله في اختفاء اسطوانات الغاز
كما ذكّر محمد زكريا بأن أنبوبة الغاز حين وصلت إلى 8 جنيه والدولار 7 جنيه كانت مادة كبرى للتعبئة السياسية. أما اليوم فالأرقام صارت أعلى بكثير، بينما يُطلب من الناس الصمت أو الاحتمال.
جرابيع المخابرات وقت التسويق لإستمارة تمرد علشان أنبوبة الغاز وصلت 8 جنيه والدولار 7 جنيه 😎 pic.twitter.com/FvzknckaHH
— محمد زكريا (@mohamedalsamate) March 11, 2026
كما كتب آزر بشاي أن السوق يُعطش قبل الرفع حتى يقبل الناس أي سعر، في إشارة إلى اتهام واضح بأن الأزمات لا تُدار فقط بقرارات التسعير، بل أيضًا بندرة مقصودة أو بعجز يُستخدم لتطويع المستهلك.
لما يرفع سعر الانبوبة يعطش السوق علشان الناس تقولك الاقيها بأي سعر علشان اعل أكل لعيالي وتيجي واحدة معرصة اسمها Mervat Abdelnaem تقولك ان بفضل الله تم توزيع الأنابيب هو توزيع الأنابيب دا انجاز انجاز مش احنا فى الجمهورية التالتة و فين المشارع القومية pic.twitter.com/gKTlwWToIt
— azer bashai (@AzerBashai) March 11, 2026
وذهبت سلمى سعيد إلى المقارنة مع فترة سابقة، قائلة إن الأزمات التي صُنعت وقتها كان يجري التعامل معها ميدانيًا بينما تبدو الأزمة الحالية أكثر قسوة واتساعًا.
حضرتك عايز تفهمني ان الاخوان يخوفو اكتر ازاى؟ الازمات ال اتصنعت لتعجيز الاخوان كانو بيحاولو يحلوها مكنش في شرطة كنت بمشي بالعربية الاقي مجموعةاخوان عاملين لجان كانت الدولة عاملة ازمة في انبوبة البوتجاز كانو بيلفوا بعربيات الانابيب خلينا منطقين ونقول الحقيقةلعل ربنا ينجدنا م الهم
— salma saeed (@salmasa78333999) March 11, 2026
ويحذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس من أن أخطر ما في ملف البوتاجاز ليس الرقم الرسمي فقط، بل انتقاله إلى السوق والمواصلات والخبز والطهي والإنفاق المنزلي اليومي. لذلك فإن عودة الطوابير في قنا لا تبدو حادثًا عابرًا.
إنها علامة على أن الحكومة رفعت الأسعار، لكنها لم تضمن العدالة في التوزيع، ولم تمنع تشكل سوق مشدودة بالغضب والندرة والشك. والنتيجة أن أسطوانة البوتاجاز عادت عنوانًا مكثفًا لأزمة أوسع: دولة ترفع الفاتورة، ومواطن يدفع وحده.

