أعادت زيادة أسعار أسطوانات البوتاجاز مشاهد الطوابير والاشتباكات والغضب الشعبي إلى الواجهة، بعد ظهور أهالي قرية في قنا مصطفين للحصول على الأسطوانات بالتزامن مع إعلان وزارة البترول زيادة جديدة في الأسعار. المشهد لم يكن منفصلًا عن السياق الأوسع.

الزيادة مست الوقود والغاز معًا. ثم انتقلت سريعًا إلى النقاش العام على مواقع التواصل، حيث تصاعدت المقارنات مع أسعار سابقة، وخرجت اتهامات للحكومة بأنها تدفع المواطنين إلى مزيد من الاختناق المعيشي، بينما تتعامل مع الأزمات اليومية باعتبارها تفاصيل يمكن احتواؤها بالدعاية أو القبضة الأمنية. ما جرى في قنا كشف شيئًا أبعد من أزمة توزيع. كشف أن أسطوانة البوتاجاز عادت مرة أخرى عنوانًا مباشرًا للفقر والغضب وفشل إدارة السوق.

 

الطوابير عادت والزيادة كشفت هشاشة السوق

 

أظهر مقطع متداول اصطفاف أهالي قرية في قنا للحصول على أسطوانات البوتاجاز في توقيت حساس جاء متزامنًا مع قرار رسمي برفع الأسعار. أهمية هذا المشهد أنه يعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر الأزمات التصاقًا بحياة الفقراء. أسطوانة البوتاجاز ليست سلعة هامشية. هي وسيلة الطهي الأساسية لملايين الأسر. وعندما تظهر الطوابير من جديد، فالمسألة لا تتعلق فقط بسعر رسمي جديد، بل بقدرة الناس أصلًا على الوصول إلى ما يحتاجونه في الوقت المناسب وبالسعر المعلن.

 

 

القلق لم يتوقف عند الطابور. فقد تداولت منصات خبر مشاجرة داخل مستودع غاز في قنا بين مواطن وعاملين بسبب رغبته في تغيير أسطوانة، وقالت الداخلية إنها ضبطت طرفي المشاجرة. هذا التطور يكشف كيف تتحول أزمة معيشية بسيطة ظاهريًا إلى احتكاك يومي مباشر بين المواطن والسوق والجهات المنفذة. وحين تصل الأسطوانة إلى هذا المستوى من التوتر، تصبح الأزمة اجتماعية قبل أن تكون خدمية.

 

 

ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن أسعار الطاقة لا تبقى داخل قطاعها، بل تنتقل سريعًا إلى تكلفة النقل والغذاء والخدمات، وهو ما يجعل أي نقص في المعروض أو اضطراب في التوزيع أكثر خطورة من الزيادة نفسها.

فالفقراء لا يملكون بدائل. وإذا اجتمع ارتفاع السعر مع صعوبة الحصول على الأسطوانة، تتحول الأزمة إلى ضغط مركب على الأسرة محدودة الدخل.

 

غضب واسع ومقارنات تفضح رواية “النجاح”

 

الردود الغاضبة على مواقع التواصل لم تأت من فراغ. الناشط محمد عبد الرحمن اختصر المقارنة في سطر واحد حين أشار إلى أن السيسي تسلم السلطة وسعر الأسطوانة 5 جنيهات، ثم سخر ممن يقدمون هذا المسار باعتباره نجاحًا. اللغة المستخدمة في التغريدة حادة وصدامية، لكنها تعكس مزاجًا شعبيًا يرى أن السلطة تريد من الناس أن تتعامل مع التدهور المتواصل كأمر طبيعي.

 

 

وفي السياق نفسه سخر “المجلس الثوري” من مسار الزيادات، مطالبًا تهكمًا بوصول الأنبوبة إلى 350 جنيهًا. السخرية هنا ليست خفيفة. هي تعبير عن فقدان الثقة الكامل في سقف الزيادة، وعن اقتناع متزايد بأن الحكومة لا تملك إلا رفع الأسعار ثم مطالبة الناس بالتكيف مع النتائج.

 

 

الصحفي علي بكري لخص بدوره التناقض الرسمي. قال إن الحكومة أعلنت زيادة أسعار الوقود والغاز بنسب تتراوح بين 14% و30%، لتكون هذه هي الزيادة الثالثة خلال آخر 12 شهرًا، ثم بررت القرار هذه المرة بظروف أسواق الطاقة العالمية بسبب حرب إيران. السؤال الذي طرحه كان مباشرًا: إذا كانت الحرب هي مبرر الزيادة الحالية، فما مبرر الزيادتين السابقتين خلال أقل من سنة واحدة؟

 

 

الناشطة رانيا الخطيب ربطت بين رفع أسعار البنزين والسولار والغاز وخفض سعر الجنيه تحت وسم ساخر. هذا الربط مهم لأنه يوسع الصورة. الأزمة ليست قرارًا منفصلًا. هي جزء من سلسلة سياسات دفعت تكلفة المعيشة كلها إلى أعلى.

 

 

ويقول الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن تتابع الزيادات بهذه الوتيرة يفقد السوق أي استقرار، ويجعل الأسرة عاجزة عن ترتيب إنفاقها الشهري. فحين ترتفع الطاقة أكثر من مرة في سنة واحدة، لا تعود المشكلة في القرار المنفرد، بل في الرسالة العامة التي تقول إن كلفة الحياة مفتوحة على مزيد من الصعود.

 

من أزمة سعر إلى أزمة ذاكرة سياسية وحساب اجتماعي قاسٍ

 

الحقوقي هيثم أبو خليل ذهب إلى جوهر آخر في الأزمة. لم يكتفِ بذكر الزيادات الأخيرة في البنزين والسولار وغاز السيارات والبوتاجاز وغاز المنازل، بل قال إن الحكومة كان يمكنها توفير هذه الزيادات من بنود أخرى مثل القصور والمواكب والبذخ. هذا الطرح يعكس شعورًا واسعًا بأن السلطة لا توزع أعباء الأزمة بعدالة، بل تحملها دائمًا للفئات الأضعف.

 

 

وفي تغريدة أخرى عرض أبو خليل مسار سعر الأسطوانة من 2012 إلى 2026، وقال إن الزيادة بلغت 5400%، من 5 جنيهات إلى 275 جنيهًا.

حتى لو اختلف الجدل حول بعض محطات التسعير الوسيطة، فإن المغزى السياسي والاجتماعي واضح: الأسطوانة التي كانت رمزًا للأزمة في سنوات سابقة تحولت الآن إلى دليل رقمي متراكم على اتساع فجوة المعيشة.

 

هذا المعنى تعزز مع استدعاء الذاكرة السياسية.

 

إسلام معوض كتب عن السخرية القديمة من “استبن الغاز” في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، وربط بين أزمات الأسطوانات وقتها وبين دور مؤسسات الدولة.

 

 

كما ذكّر محمد زكريا بأن أنبوبة الغاز حين وصلت إلى 8 جنيه والدولار 7 جنيه كانت مادة كبرى للتعبئة السياسية. أما اليوم فالأرقام صارت أعلى بكثير، بينما يُطلب من الناس الصمت أو الاحتمال.

 

 

كما كتب آزر بشاي أن السوق يُعطش قبل الرفع حتى يقبل الناس أي سعر، في إشارة إلى اتهام واضح بأن الأزمات لا تُدار فقط بقرارات التسعير، بل أيضًا بندرة مقصودة أو بعجز يُستخدم لتطويع المستهلك.

 

 

وذهبت سلمى سعيد إلى المقارنة مع فترة سابقة، قائلة إن الأزمات التي صُنعت وقتها كان يجري التعامل معها ميدانيًا بينما تبدو الأزمة الحالية أكثر قسوة واتساعًا.

 

 

 

ويحذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس من أن أخطر ما في ملف البوتاجاز ليس الرقم الرسمي فقط، بل انتقاله إلى السوق والمواصلات والخبز والطهي والإنفاق المنزلي اليومي. لذلك فإن عودة الطوابير في قنا لا تبدو حادثًا عابرًا.

إنها علامة على أن الحكومة رفعت الأسعار، لكنها لم تضمن العدالة في التوزيع، ولم تمنع تشكل سوق مشدودة بالغضب والندرة والشك. والنتيجة أن أسطوانة البوتاجاز عادت عنوانًا مكثفًا لأزمة أوسع: دولة ترفع الفاتورة، ومواطن يدفع وحده.