محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
في وقت يدخل فيه النظام الإيراني حربًا وجودية مع الولايات المتحدة وإسرائيل على الصعيد العسكري، هنالك حرب وجودية أخرى بالنسبة إلى الحرس الثوري الإيراني، ومعه التيار المحافظ عمومًا، على الصعيد الداخلي الإيراني، سواء على صعيد القلق من وجود أجندة أميركية لاستنساخ التجربة الفنزويلية (تغيير القيادة وإبقاء النظام) أو على صعيد القلق أيضًا من تنامي حالة الغضب الداخلي والشعبي من نظام ولاية الفقيه، أو حتى على صعيد الانقسام الكبير داخل النخبة السياسية الإيرانية، بخاصة بين المحافظين والحرس الثوري من جهة، والتيارات الإصلاحية من جهةٍ ثانية.
ليست إيران مثل فنزويلا، لا على صعيد بنية النظام، ولا تركيبة القوات العسكرية، ولا حتى البعد الأيديولوجي العقائدي، ولا على مستوى النظام السياسي وشبكاته الداخلية والمجتمعية، ولم يكن لفرضية أن يخرج قائد إيراني، مثلًا، بعد وفاة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، ليعقد صفقة سريعة مع ترامب ويحوّل الدور الإقليمي الخارجي الإيراني نحو مسار معاكس تمامًا أو بعيد عن المسار السابق، ويكون مقبولًا أميركيًا أو إسرائيليًا.
في المقابل، هنالك شروط داخلية نضجت في إيران تجعل من مقتل خامنئي نقطة تحوّل تتجاوز مجرد انتهاء زعيم وقدوم آخر، بل مفترق طرق على صعيد بقاء النظام السياسي نفسه، لأكثر من سبب جوهري، في مقدمتها تضعضع شرعية النظام بصورة غير مسبوقة، منذ ما يقارب 45 عامًا، فالشرعية التي اكتسبها داخليًا وخارجيًا على قاعدة إقامة الدولة الإسلامية والعدالة في الداخل وفي مواجهة "الشيطان الأكبر" في الخارج أصبحت محلّ شك كبير، بخاصة بعد حرب الـ12 يومًا السابقة. فالظروف الداخلية صعبة جدًا، وهنالك تضخم كبير أدّى إلى احتجاجاتٍ أخيرًا، كذلك هنالك اتجاه عريض وقوي وكبير في أوساط قم والعمائم يرفض مبدأ ولاية الفقيه، ويدفع نحو إعادة تعريف دور رجال الدين في المشهد السياسي، وهي مدرسة آية الله حسين منتظري، وحتى المراجع الرئيسيون على مستوى العالم، مثل آية الله علي السيستاني، لا يقولون بولاية الفقيه.
فوق هذا وذاك، هنالك جيل عريض وواسع من الشباب الإيراني يدفع اليوم إلى تفكيك القيود الدينية على المجتمع، والانتقال إلى مرحلة جديدة خارج عباءة رجال الدين، بخاصة بعدما رأوا نماذج إسلامية مختلفة، أكثر انفتاحًا على الصعيد الثقافي والمجتمعي، مثل تركيا، ويرى هذا الجيل أنّه يدفع ثمنًا باهظًا من القيود والتقييد بسبب رجال الدين.
صحيحٌ أنّ الحرس الثوري هو القوة العسكرية والأمنية الصلبة في الداخل، وما زال يمسك بخيوط المبادرة، وأنّه ما زال يقاوم بشراسة ضد الحرب الأميركية - الإسرائيلية، لكن "الإطار العام" لموازين القوى ولحجم الفجوة في القدرات بين الطرفين ستؤدّي بعد أسابيع إلى انكشاف عسكري استراتيجي، إذا ما تراجعت أكثر وأكثر القدرة الصاروخية الإيرانية، وباتت إيران في مرحلة تلقي الضربات العسكرية بلا قدرة حقيقية على الرد خارج الحدود، وربما هذا سيدفع أيضًا أعدادًا كبيرة من المواطنين والمستائين من سياسات النظام إلى التعبير عن مواقفهم وتأزّم المشهد الداخلي أكثر فأكثر.
ربما عامل الوقت ضاغط على الرئيس ترامب بسبب الكلفة المالية الباهظة والسياسية الداخلية، لكنه (الوقت) على صعيد العاملين، العسكري والسياسي، ضاغط أيضًا بصورة أكبر على النظام الذي لا يملك موارد ولا إمكانات تحمّل طويلة المدى اقتصاديًا وسياسيًا لهذا الضغط العسكري المتواصل. عند ذلك سيكون أمام النظام خياران رئيسان: الأول، الاستمرار في المكابرة والإمساك بالسلطة ورفض الخضوع للمطالب الأميركية، وربما أدّى هذا إلى ازدياد الأزمة الداخلية وانشقاق أطراف جغرافية وعرقية عديدة. والثاني، البحث عن مخرج استراتيجي؛ وهو الذي يتمثل بدور النخبة الإصلاحية في الداخل الإيراني، التي قد ترى ما يحدُث خطرًا وجوديًا على إيران من جهة، وفرصة من جهةٍ ثانية لتقويض قوة (وسيطرة) التيار المحافظ وعسكرة النظام من خلال الحرس الثوري. وقد تكون النخبة الإصلاحية، عبر إحدى الشخصيات الرئيسية والمفتاحية فيها، مثل عباس عراقجي أو الرئيس مسعود بزشكيان، وهما أكثر شخصيتين قادرتين على عقد أكثر من صفقة: الأولى داخل النظام مع الحرس الثوري نفسه، وصولًا إلى إيجاد ضماناتٍ لهم ولمستقبلهم أشخاصًا وقيادات. والثانية مع المجتمع الإيراني بتقديم رؤية داخلية مختلفة تمامًا عن الرؤية السابقة. والثالثة مع أميركا بالقبول بالشروط الأميركية الثلاثة، وهي بالمناسبة ستكون تحصيل حاصل في حال وصول النظام إلى مرحلة الانسداد الاستراتيجي لاحقًا.

