كشف خطاب قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في إفطار الأكاديمية العسكرية يوم 6 مارس 2026 عن محاولة واضحة لإدارة لحظة اقتصادية ضاغطة عبر رسائل الطمأنة والتحذير معاً. قال السيسي إن المصريين "بخير بفضل الله"، لكنه أقر بأن الدولة تعمل في "حالة شبه طوارئ"، محذراً من التلاعب باحتياجات المواطنين.

جاءت هذه التصريحات بينما بدأت الحكومة ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي، إلى جانب وسائل الإعلام الموالية، تمهيد الرأي العام لقرارات اقتصادية جديدة تشمل زيادات في أسعار الأدوية والأعلاف وعدد من السلع المرتبطة بالغذاء، في وقت تشير فيه الأرقام إلى ضغوط معيشية متزايدة يعيشها ملايين المصريين.

 

خطاب الطمأنة في مواجهة أزمة اقتصادية ممتدة

 

خلال كلمته، حاول السيسي تقديم صورة مطمئنة عن الأوضاع، مؤكداً أن الدولة تتابع السوق ولن تسمح بالتلاعب باحتياجات المواطنين. لكن حديثه عن "حالة شبه طوارئ" كشف في الوقت نفسه حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة في إدارة الاقتصاد.

 

الواقع الاقتصادي يشير إلى أزمة مركبة. فقد فقد الجنيه المصري أكثر من 60% من قيمته خلال عامين تقريباً بعد موجات متتالية من التعويم. وارتفع معدل التضخم السنوي في بعض الفترات إلى ما يتجاوز 35% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو من أعلى المستويات خلال عقود.

 

كما ارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسب كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فأسعار السكر والأرز والزيوت شهدت قفزات تجاوزت في بعض الأحيان 100% مقارنة بأسعارها قبل عامين، بينما تضاعفت أسعار اللحوم والدواجن في فترات مختلفة نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج والأعلاف.

 

هذه الضغوط انعكست مباشرة على مستويات المعيشة. إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن نحو 60% من المصريين يعيشون بالقرب من خط الفقر أو تحته، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والخدمات الأساسية.

 

زيادة الأدوية… تمهيد رسمي لرفع الأسعار

 

في الوقت الذي يتحدث فيه الخطاب الرسمي عن حماية احتياجات المواطنين، تمهد الحكومة فعلياً لزيادات جديدة في أسعار الأدوية. فقد تقدمت ما بين 80 و100 شركة دواء بطلبات لزيادة أسعار منتجاتها بنسبة تتراوح بين 25% و30%، مبررة ذلك بارتفاع تكلفة المواد الخام المستوردة وتراجع قيمة العملة المحلية.

 

ويبلغ حجم سوق الدواء في مصر نحو 150 مليار جنيه سنوياً، وهو أحد أكبر الأسواق في الشرق الأوسط وإفريقيا. لكن القطاع يواجه أزمة حقيقية نتيجة نقص العملة الأجنبية، ما أدى إلى نقص مئات الأصناف الدوائية في الصيدليات.

 

تشير تقديرات نقابة الصيادلة إلى أن السوق شهد نقصاً في نحو 800 إلى 1000 صنف دوائي خلال الفترات الماضية، وهو ما دفع شركات الأدوية إلى الضغط على الحكومة للموافقة على زيادات كبيرة في الأسعار.

 

وقد وافقت الحكومة بالفعل خلال السنوات الأخيرة على زيادات تدريجية في أسعار آلاف الأصناف الدوائية، حيث جرى تعديل أسعار ما يقرب من 3000 دواء، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من الأدوية المتداولة في السوق.

 

لكن هذه الزيادات أثارت غضباً واسعاً بين المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة الذين يعتمدون على العلاج بشكل يومي. ومع كل موجة زيادة جديدة، ترتفع تكلفة العلاج على ملايين الأسر التي تعاني أصلاً من ضغوط معيشية متزايدة.

 

الأعلاف… الحلقة الأخطر في موجة الغلاء

 

بالتوازي مع ملف الأدوية، بدأت الحكومة تمهد أيضاً لزيادات في أسعار الأعلاف، وهي خطوة قد تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء في السوق المصري.

 

وتعتمد مصر بشكل كبير على الاستيراد لتوفير مدخلات صناعة الأعلاف. إذ تستورد سنوياً نحو 8 إلى 10 مليون طن من الذرة الصفراء، إضافة إلى نحو 4 مليون طن من فول الصويا المستخدمين في تصنيع الأعلاف.

 

ومع ارتفاع أسعار الدولار وتكاليف الشحن، قفزت أسعار الأعلاف بشكل حاد. فقد ارتفع سعر طن علف الدواجن إلى ما بين 30000 و32000 جنيه، بعد أن كان أقل من 20000 جنيه قبل عامين فقط.

 

ويمثل العلف ما بين 65% و70% من تكلفة إنتاج الدواجن في مصر، ما يعني أن أي زيادة في سعره تنعكس مباشرة على أسعار الدواجن والبيض واللحوم في السوق.

 

وقد شهدت أسعار الدواجن بالفعل تقلبات حادة خلال الفترة الماضية، حيث تجاوز سعر الكيلو في بعض الفترات 110 جنيه، بينما اقترب سعر كرتونة البيض من 200 جنيه في بعض المناطق.

 

ويحذر منتجون في قطاع الدواجن من أن استمرار ارتفاع الأعلاف قد يدفع عدداً كبيراً من المزارع الصغيرة إلى الخروج من الإنتاج، ما قد يؤدي إلى انخفاض المعروض وارتفاع الأسعار بشكل أكبر.

 

استدعاء 2011… خطاب سياسي لتبرير قرارات اقتصادية

 

ضمن كلمته في الأكاديمية العسكرية، أشار السيسي إلى أن البرامج التعليمية في الأكاديمية تهدف إلى البناء على الدروس المستفادة من الأحداث التي مرت بها مصر منذ عام 2011. هذه الإشارة ليست عابرة في الخطاب السياسي الرسمي.

 

فخلال السنوات الأخيرة أصبح استدعاء مرحلة ما بعد ثورة يناير جزءاً ثابتاً من الخطاب الرسمي عند الحديث عن الاستقرار أو عند تمرير قرارات اقتصادية صعبة.

 

الرسالة الضمنية في هذا الخطاب تقوم على الربط بين الاستقرار السياسي والقبول بإجراءات اقتصادية قاسية. بمعنى أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب، وفق الرواية الرسمية، تحمل ضغوط اقتصادية مؤقتة.

 

لكن المفارقة أن هذه الرسائل السياسية تتزامن مع موجات متتالية من الغلاء وارتفاع الأسعار. فبينما يؤكد الخطاب الرسمي أن الدولة لن تسمح بالتلاعب باحتياجات المواطنين، يواجه المصريون في الواقع زيادات متواصلة في أسعار الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

 

فجوة متسعة بين الخطاب والواقع

 

خطاب السيسي الأخير يعكس محاولة واضحة لإدارة لحظة اقتصادية حساسة عبر الجمع بين الطمأنة والتحذير. لكن الأرقام المتعلقة بالتضخم والأسعار تشير إلى أن الضغوط المعيشية في تزايد مستمر.

 

وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن ضرورة اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة، يشعر كثير من المواطنين بأن تكلفة هذه القرارات تقع عليهم وحدهم، بينما تستمر الأسعار في الارتفاع بوتيرة أسرع من دخولهم.

 

وبين خطاب رسمي يؤكد أن الدولة تسيطر على الأوضاع، وواقع اقتصادي يشهد زيادات متلاحقة في أسعار السلع الأساسية، تتسع الفجوة بين الرسائل السياسية والواقع المعيشي الذي يواجهه ملايين المصريين يومياً.