عريب الرنتاوي

كاتب ومحلل سياسي أردني

 

لم ينتظر حزب الله أكثر من 48 ساعة، حتى دخل في "حرب إسناد" لإيران في مواجهة عدوان أمريكي-إسرائيلي مزدوج، في استعادة على ما يبدو لسيناريو إسناد غزة، الذي أطلقه الحزب بعد مرور 24 ساعة فقط، على عملية السابع من أكتوبر 2023.

 

نتائج حرب الإسناد الأولى، جاءت وبالا على الحزب في قيادته ومقدراته، فضلا عن تداعياتها الكارثية على بيئته الاجتماعية، وعلى لبنان برمته.

 

لكن السؤال المُلح: هل يعتقد الحزب وقيادته الجديدة، بأن نتائج حرب الإسناد الثانية، ستكون مغايرة لما جرى في المرة الأولى؟، وما الظروف والملابسات التي أحاطت بقراره هذا؟، وما هي قدرات الحزب على استحداث فارق نوعي في مجريات الحرب الإقليمية الدائرة، يبرر هذه المجازفة و"يشرعنها"، وما التطورات والتداعيات التي ستترتب على تطور كهذا؟

 

جولة في العقل الإستراتيجي للحزب

 

داهمت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، الحزب في لحظة انتقالية حرجة، وهو بالكاد ينجح في ترميم صفوفه، لا سيما في ضوء تعثر، بل وانقطاع، سلاسل الإمداد والتزويد المالي والتسليحي.

 

كما أن قيادته الجديدة، تكرس بمشقة كبيرة دورها وزعامتها، وملء فراغ القيادة الكارزمية لأمينه العام الراحل حسن نصر الله، وسط أنباء متزايدة عن خلافات وتباينات داخلية، ناجمة عن إعادة الهيكلة، لعل المظهر الأبرز المعبر عنها، تمثل في خروج رجل الحزب القوي، وفيق صفا، من صفوفه، مستقيلا أو مقالا.

 

يدرك الحزب، تماما، أن الحرب على إيران هذه المرة، مختلفة عن حروب وجولات سابقة. هذه المرة، لا يخفي خصوم طهران، أسوأ نواياهم: ترمب يريد لطهران أن ترفع راية الاستسلام البيضاء، وتقبل خانعة بشروطه (اقرأ شروط إسرائيل المذلة).

 

فيما نتنياهو يذهب أبعد من ذلك، ويريد تغيير النظام برمته، لا تغيير سياسته فحسب، حتى وإن أفضى ذلك إلى أسوأ السيناريوهات والكوابيس: فوضى وانقسامات وحروب أهلية متناسلة، لا تتوقف عند الجغرافيا الإيرانية، بل تطول الإقليم الممتد من ضفاف قزوين إلى شواطئ المتوسط.

 

الحزب الذي لم ينجُ بعد، من ضربة "سقوط نظام الأسد" 8 ديسمبر 2024، يدرك تمام الإدراك، أن لا وجود ولا مستقبل، له ولا لسلاحه، ولا دور ولا مكانة له في لبنان والإقليم، إن هو خسر الحاضنة الإيرانية، بعد خسارته الشريان السوري.

 

هي إذن بالنسبة له، حرب وجود، وليست صراعا على أدوار وأوزان سواء في الداخل اللبناني، أو على مستوى الدور الإقليمي للحزب الذي تضخم في عشرية "الربيع العربي"، بدءا من سوريا، وليس انتهاء بالعراق واليمن وفلسطين.

 

والحزب حين كان يجري تقييما (وتقديرا للموقف) مع اندلاع الحرب على إيران 28 فبراير، إنما كان يفعل ذلك، وهو في ذروة الانكماش الميداني والسياسي على الساحة الوطنية اللبنانية، بعد أن انكفأ دوره عن ساحة الإقليم إثر التطورات المتسارعة التي أعقبت "الطوفان". فهو قبِل بسحب سلاحه جنوبي الليطاني، فيما خُطط الدولة والجيش لإنفاذ "حصرية السلاح"، تطارده شماليه، وفي عموم الأراضي اللبنانية، بدءا من منطقة "ما بين النهرين".

 

الحزب الذي تجرع كأس السم بقبول اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لوقف "العمليات العدائية"، ما انفك وبيئته الاجتماعية، يتعرضان لوابل من الانتهاكات الإسرائيلية اليومية لذاك الاتفاق، فقدَ أثرها مئات الكوادر والقيادات والمقاتلين.

 

كما تعرضت قُراه وبلداته في الجنوب والبقاع وحتى الضاحية، لخسارات يومية، تأكل من رصيد سلاحه، وقدرته على "الحماية والردع والتحرير"، وهي "الثلاثية الذهبية" التي طالما برّر بها الحزب امتلاك السلاح ودافع عن حقه في الاحتفاظ به.

 

وكلما كانت الحملة على السلاح من خصوم الداخل والخارج تشتد وتتعاظم، كان الحزب يجد صعوبة أكبر في الدفاع عنه، في ظل تمادي الغطرسة والعدوانية اللتين يكشف عنهما قادة الاحتلال، مع إحجامه في المقابل، عن القيام بأي رد فعل، والتزامه التهدئة والسكون التامّين.

 

وإذ وجد الحزب نفسه، وظهره إلى الجدار، بعد أن انفض من حوله معظم حلفائه المحليين، بمن فيهم "شقيقه في الثنائي الشيعي"، كما تجلى في موافقة وزراء حركة أمل على قرار نزع الشرعية عن الجهازين العسكري والأمني للحزب في اجتماع الحكومة الطارئ الأحد الماضي، والتزام رئيس "أمل"، رئيس مجلس النواب عبارة: "لا تعليق" على القرار الحكومي، فإنه يمكن القول، إن قرار الدخول في حرب الإسناد، كان بمثابة هروب للأمام، وتعبير عن عمق "المأزق"، وليس تجسيدا لِسعة في الخيارات والاختيارات، أو تعبيرا عن حالة من التعافي والصعود.

 

وبالنسبة للحزب، فإن الحرب على إيران، ليست أم المعارك، بل خاتمتها، لا سيما أنه يراقب طهران، تتأرجح على حواف "معبد شمشون" الذي يراد هدمه على رؤوس الجميع، ولن يبقى للحزب شيئا إن خسر إيران، بعد خسارته سوريا، ولا قيمة لآخر رصاصة في جعبته، إن لم تطلق اليوم، ولا حاجة له لأن يدخرها لمعارك لاحقة، فلا معركة أكثر أهمية من معارك اليوم.

 

إن صمدت إيران (وانتصرت)، كان شريكا في النصر ومغانمه، وإن ضعفت وهزمت، فليس لديه ما يخسره.. نظرية الاصطفاف مع "المنتصر"، التي تُغطى عادة بالقول: "الاصطفاف مع الجانب الصحيح من التاريخ"، ليست ترفا متوفرا للحزب، بل هو مكره على الاصطفاف مع إيران، منتصرة كانت أم مهزومة.

 

وعلى أية حال، كان الحزب قد باح ببعض مما يجول في عقله الإستراتيجي، عندما "سرّب" مع قرع طبول الحرب، وقبل أن تندلع، أنه سيدخلها في واحدة من حالتين، أو كلتيهما معا: استهداف النظام الإيراني لإسقاطه، أو استهداف المرشد الأعلى في حياته.. المرشد تعرض للاغتيال بنيران واشنطن وتل أبيب، وكلا الطرفين، لا يخفيان نواياهما في تغيير النظام أو إخراجه من جلده، و"تلبيسه" جلدا آخر، لا يتسع لـ"الوكلاء" و"الأذرع"، والحزب أهمهم وفي صدارتهم.

 

حزب الله، كحركة حماس، لا يمكن التفكير بأي منهما بمعزل عن "السلاح" و"المقاومة"، هما مبرر وجودهما، وهما بمثابة "الصبغة الجينية- DNA" التي يُعرَفان بها، فإن تحوّلا إلى "حزب سياسي"، مجرد حزب سياسي، سيكونان بذلك كسائر الأحزاب الوطنية، والأرجح ليس أكثرها وزنا وأهمية.

 

الحزب إذ يدخل الحرب معزولا

 

دخل الحزب الحرب مجردا من حلفائه، وثمة ما يشي باتساع الخرق على الراتق، بينه وبين حركة أمل، فيما البيئة الشيعية تمور بتحولات نوعية، ستتظهّر على نحو أعمق، ما إن يهدأ غبار المعارك الدائرة في لبنان والإقليم، وتتكشف هوية المنتصر والمهزوم في هذه الحرب.

 

دخول الحزب على خط الإسناد، جاء باهتا حتى الآن، ، ولا ندري كيف سيتصاعد، إن كان سيتصاعد أصلا، أما كلف "الإسناد" فتبدو باهظة على بيئته ولبنان، وثمة ما يوحي بأن حربا برية واسعة النطاق، قد بدأت، وكانت إسرائيل قد أعدت لها العدة مسبقا، وكانت ستنفذها في كل الأحوال، من دون انتظار ذريعة أو مبرر، وربما ترتبَ على صواريخ الحزب ومسيّراته استعجال توقيتها وتقديمه، بيد أن كافة الدلائل كانت تشير، إلى حتمية، أو على الأقل، أرجحية حدوثها.

 

نحن لا نعرف ما الذي تبقى بحوزة الحزب من سلاح ومقاتلين، ولكن أغلب التقديرات تقول إنها ليست على القدر الكافي لاستحداث فارق في موازين الحرب والقتال الأوسع والأشمل.

 

كما أن "التوحش" الإسرائيلي سيبلغ شأنا عظيما، وأن خطط احتلال جنوبي الليطاني بعد تفريغه من سكانه هذه المرة، قد وُضعت موضع التنفيذ، وأن ثمة ضوءا أخضر أمريكيا، دوليا، إقليميا، يعطي إسرائيل يدا طليقة في لبنان وضد الحزب بخاصة.

 

إذ بخلاف حماس في فلسطين، لا حواضن إقليمية لحزب الله (إيران اليوم بحاجة لمن يسندها)، وبخلاف غزة، لا يوجد زخم دولي يحول دون تفشي الوحشية الإسرائيلية.. فحزب الله اليوم في وضع أصعب بكل هذه المقاييس والمعايير.

 

لربما يعول حزب الله على ما يجيد فعله: القتال البري، وهو أثبت ذلك وبرهن عليه طيلة تجربته الممتدة لقرابة نصف قرن، فمعظم الاحتلالات الإسرائيلية في الجنوب جاءت بعد وقف إطلاق النار، والتقدم الإسرائيلي البري الذي تحقق قبله، كان محدودا ويقاس بكيلومترات معدودة، وللحزب سجل تاريخي حافل، في مقارعة "الجنود على الأرض"، بعد تحييد عامل التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي الهائل.

 

إسرائيل تستطيع احتلال جنوب لبنان حتى الليطاني، وربما أبعد من ذلك، لكن السؤال الأكثر أهمية: كم من الوقت ستستطيع إسرائيل الاحتفاظ باحتلالها؟، وما هي الكلف التي سيتعين عليها دفعها لإدامته وتثبيته؟، وكيف ستجيب الدولة وخصوم الحزب، على تحدي بقاء الاحتلال، وربما لسنوات عديدة قادمة؟

 

وهل سيكون هناك "خيار دبلوماسي فعال" لإزالته وضمان رحيله، وكيف ستتعامل الدولة بمختلف مؤسساتها، مع طوفان المهجرين في وطنهم؟، وأين سيصرف هؤلاء طاقة غضبهم الكامنة والظاهرة، حال عجزت الدولة (وهذا مرجح) عن استيعابهم وإعادتهم إلى بلداتهم وقراهم؟.. ليس على حزب الله أن يقلق وحده، فخصومه ومجادلوه الكُثر، عليهم أن يقلقوا كذلك.

 

لكأن حزب الله يخطط للعودة كما بدأ، فهل هذا خيار واقعي بعد كل هذه التحولات في لبنان والإقليم والنظام الدولي.

 

وفي ظل المأزق التي يعتصر الدولة والحزب اللبنانيين، هل يمكن التفكير بـ"مقاومة ما بعد حزب الله"؟، وهل سيخلق الاحتلال الإسرائيلي مقاومات جديدة، وفقا للقاعدة القطعية: "الاحتلال يولد المقاومة"، وأية مقاومة ستتخلق؟، وما موقع حزب الله فيها، وكيف سيتطور المشهد اللبناني في قادمات الأيام والسنين.. أسئلة وتساؤلات تنتظر من (وما) يجيب عنها.