وائل علوان
باحث مهتم بالدراسات السياسية وصراعات الشرق الأوسط
لحظة صدمة تاريخية بالنسبة لإيران ولحظة استعراض جديدة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أسفرت الضربات الأمريكية الإسرائيلية صباح اليوم الأخير من فبراير 2026، عن إعلان اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، ومجموعة من قادة الصف الأول من قادة الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية.
الهجمات الأمريكية الإسرائيلية لا تأتي بشكل مفاجئ، حيث تكرر التهديد والوعيد بها، بالتزامن مع التحركات الميدانية العسكرية على مستوى المنطقة، وإعادة تموضع إمدادات الأسلحة الأمريكية القادمة إلى الشرق الأوسط.
وبالتالي فإن طهران وقيادتها كانت تتحضر للرد بالصواريخ والطائرات المسيرة، ومن هذا التحضير الاجتماع الذي تم استهدافه وأدى إلى هذه الهزة الكبيرة والمدوية، لتثبت الولايات المتحدة وإسرائيل تفوق الجانب الاستخباراتي والقدرة على الاختراق والرصد والإصابة.
الهجمات الأمريكية الإسرائيلية كانت قادمة لا محالة، والرد الإيراني بالصواريخ والمسيرات كان مخططا له وحاضرا وقد حصل. فإيران لديها خبرة في التعامل مع هذا الضغط العسكري الكبير، وحتى مع اغتيال القادة، حيث فقدت رئيس البلاد ووزير خارجيته في لحظة واحدة بحادث قيل إنه مدبّر.
لكن الفارق في هذه الضربات أنها وللمرة الأولى تطال القيادة العليا بصفها الأول، وضمن حرب واسعة أعلنت أطراف في إسرائيل أنه في يومها الأول تم استخدام ما يفوق مجموع ما تم استخدامه من الذخائر والصواريخ خلال حرب الـ12 يوما التي اندلعت في يونيو 2025.
فهل تكون هذه الضربات الجديدة هي الأخيرة؟ وهل تسقط النظام الإيراني أو تجبره على الرضوخ والاستسلام؟ أم إن الصواريخ والمسيرات الإيرانية قادرة على دعم الصبر والتحمل في طريق الاستمرار والصمود؟
تقديرات أمريكية: إلى ماذا ستؤدي الضربة؟
كان ولا يزال الملف النووي الإيراني هو العنوان الرسمي لأي تحرك عسكري ضد طهران، وقد نجحت إدارة ترمب ومن ورائها إسرائيل في خلق تصاعد ملحوظ في التخوفات الغربية بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني وأبعاده العسكرية.
ترى واشنطن وتل أبيب أن اقتراب إيران من تصنيع قنبلة نووية يشكل تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل وتوازن القوى الإقليمي، وهو ما تستخدمه مبررا للضربات السابقة والحالية واللاحقة إن اضطرت.
غير أن هذا السبب يخفي خلفه أهدافا أبعد من مجرد تعطيل منشآت أو تأخير برنامج، فدول الغرب بقيادة واشنطن ترى أن منع إيران من التقدم في التقنية النووية، وإدخالها في حالة التفكك والانهيار له أبعاد تتصل بالمحور الذي ترتبط به إيران، وبالتالي بالتوازنات الدولية وليس فقط الإقليمية.
الضربات الأمريكية لا تستهدف إيران لمجرد أنها دولة "مارقة" تتحدى المصالح الأمريكية، وتصرح بالعداء للمحور الغربي، ولا تخضع على طاولة المفاوضات، بل السبب الأهم أن إيران إحدى بوابات تغيير الموازين الدولية ضمن عالم لا تزال الولايات المتحدة تصر على قيادته ورسم قواعده.
تقود الولايات المتحدة حربا مباشرة في إيران، وترسل من خلال حربها هذه، رسائلها لباقي القوى الدولية التي لا تريد خوض حرب مباشرة معها، وإنما تستثمر في مجموعة من الأزمات التي تهددها أو تحيط بها.
وفي نفس الوقت تعمل الولايات المتحدة على تفكيك الأحلاف المضادة والمعادية، وتشغل كل طرف بأزماته، وتقطع طرق المصالح ومساربها لهذه الأطراف عن الفضاءات التي تعتقد الولايات المتحدة أنها لمصالحها ومصالح حلفائها فقط، ومن هذه الفضاءات الأمنية والاقتصادية منطقة الشرق الأوسط، فقطع أيدي إيران هو أيضا إعلان إنهاء أي مصالح أو فرص يرجوها حلفاء إيران في هذه المنطقة.
ماذا يمكن أن تفعل إيران؟
الرد الإيراني التقليدي لم يعد كافيا أمام تصاعد الحرب بهذه الطريقة، واستمرار إطلاق الصواريخ والمسيرات على إسرائيل وعلى المصالح الأمريكية في المنطقة، لن يغني عن إعادة ترتيب البيت الداخلي.
لذلك من المتوقع إضافة لاستمرار الضغط الإيراني بالصواريخ والمسيرات، التحرك على المستوى الداخلي لتدارك الأزمة البنيوية ضمن القيادة الإيرانية، وربما يحول النظام الإيراني الصدمة إلى عامل تغيير في الإستراتيجيات دون أن تسبب الانهيار الكامل، وخاصة مع توظيف الجانب الأيديولوجي الذي يفاخر بالتضحيات والبطولات في مثل هذه المواقف، ويحشد الجموع للثأر والانتقام والصبر والتحمل في سبيل ذلك.
الضربات الأمريكية الإسرائيلية لا تبدو مجرد ردع عسكري، أو ضغط لإحياء طاولة مفاوضات وصلت تفاهماتها إلى طريق مسدود، بل هي مساهَمة لها دورها في تفكيك النظام الإيراني، وإغراقه في الأزمات المستعصية، والتفكيك.
هذه الأزمات بدأتها العقوبات والضغوط والحصار، وتعززها الضربات العسكرية واغتيال القادة والمسؤولين، وإزاء هذا فإن إيران إن أرادت النجاة فهي بحاجة إلى استيعاب الصدمة، والإسراع في تشكيل القيادة الجديدة القادرة على التعبئة الداخلية، واتخاذ القرار الحذر والجريء في آن معا.
هل للنظام الإيراني حلفاء يتدخلون لإنقاذه؟
لم تستطع إيران الاستفادة من اصطفافها المعادي للولايات المتحدة وحلفائها، هذا الاصطفاف الذي تبدو فيه إيران الشريك الأضعف بأزماتها الداخلية وقدراتها العسكرية والتكنولوجية من باقي الشركاء المستنزفين بطبيعة الحال.
روسيا لا تزال منشغلة في حربها مع أوكرانيا، والدول الأوروبية زودت أوكرانيا مجددا بالمزيد من الأسلحة النوعية والصواريخ البعيدة، والصين ضمن مواجهات اقتصادية وضغوط أمريكية، تنظر بحذر إلى التطورات السريعة في محيطها الإقليمي، فتصاعد الهجمات بين أفغانستان وباكستان لا يبدو أزمة عابرة أو محدودة في وسط آسيا.
وبالانتقال للمجموعات والتنظيمات الممولة والمدعومة من إيران في لبنان، والعراق، واليمن، فإنها قد تفكر مليا في نوع التحرك الذي قد تقدِم عليه، وسط ظروف قاسية تعيشها هذه المجموعات والتنظيمات على مستوى الضغوط الداخلية في هذه البلدان، وعلى مستوى الخشية من ردة الفعل الأمريكية الإسرائيلية.
ماذا بعد اغتيال خامنئي؟
من المبكر التنبؤ بما ستذهب إليه الأمور في إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى وقادة الصف الأول في قواته في اليوم الأول من حرب يصعب تقدير اتجاهاتها ومدة استمرارها، لكن بالمجمل فإن هذه الضربات أحدثت بالفعل في يومها الأول نقطة التحول الكبرى فيها.
فهل يفتح مقتل المرشد الأعلى وقادة الصف الأول الباب لتغييرات كبيرة على مستوى الموقف الداخلي وعلى المستوى الخارجي؟ وهل يخلق فرصة لإعادة إنتاج النظام بشكل جديد وبتعاطٍ مختلف مع خريطة سياسية وإثنية ومناطقية معقدة؟ وهل يستطيع قادة النظام الجدد إعادة ترتيب أولوياتهم والذهاب بطرح جديد؟
وإذا لم يحصل هذا فإن الفوضى والفراغ واستمرار الحرب والاغتيالات ستنضم إلى الأزمات الداخلية القائمة في رسم سيناريوهات مفتوحة وخطرة، ليس على مستوى إيران فقط، وإنما على مستوى المنطقة ودولها.

