تكشف قرارات شركات الشحن العالمية العملاقة بتحويل مساراتها بعيدًا عن قناة السويس حجم الخسائر التي تتكبدها مصر مع اتساع الحرب الإيرانية منذ 28 فبراير 2026، إذ أعلنت “ميرسك” الدنماركية إعادة توجيه بعض رحلاتها حول رأس الرجاء الصالح، فيما قررت الفرنسية “CMA CGM” سلوك المسار نفسه، في ضربة مباشرة لإيرادات القناة.
ميرسك أوضحت أنها تواجه “قيودًا غير متوقعة” ناجمة عن بيئة العمليات الأوسع في البحر الأحمر، مؤكدة أن هذه الظروف تعقّد المرور دون تأخير. الشركة كانت قد أعلنت الشهر الماضي عودة تدريجية لعبور قناة السويس، بعد عامين من الاضطرابات المرتبطة بهجمات الحوثيين، لكن التصعيد الإقليمي الأخير قلب المعادلة مجددًا.
القرار ليس تقنيًا. بل اقتصادي بامتياز. كل سفينة تتجه إلى رأس الرجاء الصالح بدل السويس تعني رسوم عبور ضائعة، وعملة صعبة تتبخر من اقتصاد يعاني أصلًا من أزمة نقد أجنبي حادة.
الدكتور مصطفى بدرة، الخبير في الاقتصاد السياسي، يقول إن “إيرادات قناة السويس تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة. أي تراجع مستمر في العبور سيضغط على الاحتياطي النقدي وعلى قدرة الدولة في تمويل الواردات”.
قناة السويس في مرمى النار
قناة السويس حققت في 2023 إيرادات قاربت 10 مليار دولار سنويًا في ذروتها. لكن منذ تصاعد التوترات في البحر الأحمر، تراجعت أعداد السفن العابرة بشكل ملحوظ. الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية وسّعت دائرة المخاطر البحرية، ما أعاد شركات الشحن إلى خيار الالتفاف حول أفريقيا.
ميرسك أشارت إلى “محادثات مع شركاء الأمن” خلصت إلى صعوبة تجنب التأخير عند العبور. هذا يعني أن المخاطر لم تعد مرتبطة فقط بهجمات سابقة، بل ببيئة عسكرية مفتوحة في المنطقة. قرار التحويل يعكس تقديرًا بأن المخاطرة أعلى من تكلفة الإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
شركة “CMA CGM” الفرنسية اتخذت القرار ذاته، ما يعكس اتجاهًا عامًا لدى شركات كبرى. كلما زاد عدد السفن التي تتجنب السويس، زادت خسارة الرسوم اليومية التي قد تصل إلى ملايين الدولارات.
اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، يرى أن “توسيع نطاق الحرب إلى الملاحة الدولية جعل البحر الأحمر ساحة قلق دائم. الشركات لا تنتظر استهدافًا مباشرًا. يكفي احتمال الخطر لرفع تكلفة التأمين وتحويل المسارات”.
خسائر مباشرة وغير مباشرة
الخسارة لا تقتصر على رسوم العبور. هناك آثار غير مباشرة على الخدمات اللوجستية، والتوكيلات الملاحية، والتموين البحري، وسلاسل التوريد المرتبطة بالقناة. كل يوم تقل فيه السفن يعني تراجع نشاط اقتصادي أوسع.
الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، يؤكد أن “الاقتصاد المصري لا يملك رفاهية فقدان مصدر بحجم قناة السويس. مع تراجع تحويلات واستثمارات وارتفاع فاتورة الاستيراد، أي فجوة إضافية في الدولار تعني ضغطًا على سعر الصرف”.
الحرب الإيرانية أضافت طبقة جديدة من عدم اليقين. ارتفاع أسعار التأمين البحري، الذي قد يصل إلى 50% في بعض التقديرات، يجعل العبور عبر مناطق النزاع أقل جاذبية. السفن التي تبلغ قيمتها 100 مليون دولار قد ترتفع تكلفة تأمينها للرحلة الواحدة بعشرات الآلاف من الدولارات.
هذا الواقع يدفع الشركات إلى حسابات باردة: تكلفة أطول زمنًا عبر رأس الرجاء الصالح مقابل مخاطر وتأمين أعلى في البحر الأحمر.
أزمة سيادية أم نتيجة خيارات سياسية؟
الضربة التي تتلقاها قناة السويس ليست معزولة عن السياق الإقليمي. الحرب الإيرانية وسّعت نطاق التهديد البحري، لكن هشاشة الوضع تعكس أيضًا اعتمادًا مفرطًا على مورد واحد للعملة الصعبة.
الاقتصاد المصري يعتمد على 4 مصادر رئيسية للدولار: قناة السويس، السياحة، التحويلات، والاستثمار الأجنبي. أي اضطراب في أحدها يكشف عمق الأزمة الهيكلية.
الدكتور مصطفى بدرة يشير إلى أن “تنويع مصادر الدخل القومي لم يعد خيارًا بل ضرورة. الاعتماد على ممر ملاحي في منطقة مشتعلة سياسيًا يحمل مخاطرة دائمة”.
حتى 1 مارس 2026، لا توجد أرقام رسمية لحجم الخسائر الناتجة عن القرارات الجديدة، لكن الاتجاه واضح. كل سفينة تتجه جنوبًا بدل الشمال تعني ملايين الدولارات خارج الحسابات المصرية.
المعادلة الآن صعبة. حرب إقليمية تتصاعد. شركات شحن تعيد حساباتها. قناة السويس تفقد جزءًا من زخمها. والسؤال المطروح: كم يمكن للاقتصاد المصري أن يتحمل من صدمات متتالية قبل أن تظهر آثارها في الموازنة وسعر العملة ومستوى المعيشة؟
الحرب لم تصل الأراضي المصرية عسكريًا، لكنها وصلت إلى قلب اقتصادها. والخسارة هذه المرة لا تأتي بصوت انفجار، بل بصمت سفن غيّرت مسارها بعيدًا عن قناة كانت يومًا شريانًا لا يُستغنى عنه.

