تسبب توقيف الناشط المصري مصطفى أحمد، وإنكار مكان احتجازه، في تجدد القلق الحقوقي حول أوضاع المحتجزين ومن ينتقدون التعذيب على الإنترنت.
وقال المحامي والحقوقي خالد علي إن قوات الأمن ألقت القبض على أحمد فجر الأربعاء من منزله بسبب كتاباته على وسائل التواصل الاجتماعي التي تنتقد التعذيب وحالات الوفاة داخل مقار الاحتجاز في أقسام الشرطة، وإن قسم الشرطة ينكر وجوده، ولم يُعرض حتى الآن على نيابة أمن الدولة.
ملابسات القبض على مصطفى أحمد
بحسب منشور خالد علي على فيسبوك، كان مصطفى أحمد يركز في كتاباته على توثيق وانتقاد وقائع الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، سواء تعلّق الأمر بمحتجزين مصريين أو سودانيين أو من أي جنسية أخرى، ما يضع نشاطه في سياق اهتمام متزايد بملف التعذيب وسوء المعاملة داخل مقار الشرطة والسجون.
ويعكس هذا النمط، وفق حقوقيين، انتقال جزء من النقاش حول التعذيب من قاعات المحاكم والمنظمات إلى فضاء التواصل الاجتماعي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر قانونية وأمنية على أصحاب هذه الكتابات.
ويرى الحقوقي نجاد البرعي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، أن تناول قضايا التعذيب وأوضاع السجون يجب أن يبقى في صلب أي نقاش جاد حول إصلاح المنظومة الجنائية؛ إذ سبق أن أكد أن ملفات التعذيب والحبس الاحتياطي وأوضاع السجون ومراكز الاحتجاز ينبغي مناقشتها بجدية ضمن أجندة الإصلاح.
ويشير قانونيون إلى أن القبض على ناشط بسبب منشورات تتناول هذه القضايا يطرح سؤالًا حول حدود الحماية الدستورية لحرية التعبير عندما تتقاطع مع ملف حساس مثل التعذيب.
إنكار الاحتجاز ونمط الاختفاء القصير
منذ لحظة التوقيف التي جرت فجر الأربعاء، كما يروي خالد علي، تنفي الجهة الشرطية المعنية وجود مصطفى أحمد في حوزتها، بينما لم يظهر اسمه في أي عرض على نيابة أمن الدولة حتى وقت نشر المعلومات المتاحة.
وهذا النمط، المتمثل في القبض على شخص وإنكار وجوده لفترة قبل ظهوره لاحقًا أمام جهة تحقيق، سبق أن وثقته منظمات حقوقية تحت مسمى «الاختفاء القسري قصير الأجل»، بما يفتح الباب أمام انتهاكات محتملة خلال فترة الاحتجاز غير المعترف بها.
وتشير تقارير حقوقية دولية حديثة إلى أن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي ما زال ممارسة قائمة في قضايا ذات طابع سياسي في مصر، خصوصًا في المراحل الأولى من التحقيق.
وكان الحقوقي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قد استُدعي بدوره إلى نيابة أمن الدولة بعد إصدار مبادرته تقريرًا عن أوضاع الاحتجاز في أحد سجون الشرقية، وهي خطوة رأت فيها منظمات دولية مؤشرًا على حساسية السلطات تجاه توثيق الانتهاكات داخل السجون ومقار الاحتجاز.
ويستند مراقبون إلى هذه الوقائع للتحذير من أن إنكار مكان احتجاز ناشط كتب عن التعذيب والوفيات داخل الأقسام قد يكون جزءًا من مناخ أوسع يُجرَّم فيه توثيق الانتهاكات بدلًا من التحقيق فيها.
وتُظهر بيانات «كوميتي فور جستس» أن حالات الوفاة داخل مقار الاحتجاز في مصر ليست وقائع فردية معزولة؛ إذ وثقت المنظمة أكثر من 1,058 حالة وفاة بين عامي 2013 وأكتوبر 2020، كثير منها مرتبط بسوء أوضاع الاحتجاز أو الإهمال الطبي أو التعذيب، وفق تقرير حمل عنوان «كم ريجيني في مصر».
وتضع هذه الأرقام كتابات مصطفى أحمد عن الوفيات في سياق مشكلة موثقة، وليست مجرد سرد لوقائع متفرقة.
مناخ أشمل لقمع التعبير على الإنترنت
تأتي قضية مصطفى أحمد في سياق أوسع من الملاحقات المرتبطة بالمحتوى المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي.
ففي السنوات الأخيرة، أُحيل طلاب وصحفيون ونشطاء إلى المحاكم بتهم من قبيل «نشر أخبار كاذبة» و«إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي»، استنادًا إلى تدوينات أو منشورات، بينها قضايا انتهت بأحكام مشددة بالسجن.
ويرى خبراء أن هذا النمط يخلق حالة من الردع المسبق ضد أي خطاب نقدي يمس قضايا الأمن أو حقوق الإنسان أو أداء الأجهزة الشرطية.
وسبق أن أشار أحمد مفرح، المدير التنفيذي لـ«كوميتي فور جستس»، في تصريحات إعلامية، إلى أن مئات المحتجزين توفوا في السجون وأماكن الاحتجاز منذ يونيو 2013 نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو سوء أوضاع الاحتجاز، معتبرًا أن هذه الأعداد تعكس خللًا مؤسسيًا، وليست مجرد تجاوزات فردية.
وفي ضوء هذه الخلفية، يرى حقوقيون أن استهداف ناشط ركّز على ملف الوفيات داخل أماكن الاحتجاز يثير مخاوف من محاولة إغلاق أحد المنافذ القليلة المتبقية لتسليط الضوء على هذه الوقائع.
وتدعم أرقام أخرى الصورة نفسها؛ فبحسب المفوضية المصرية للحقوق والحريات، سُجلت 50 حالة وفاة لمعتقلين في السجون وأماكن الاحتجاز المصرية خلال عام 2024 وحده، رغم إطلاق «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» قبل أكثر من ثلاث سنوات.
كما تشير تقارير مشتركة قُدمت إلى الأمم المتحدة عامي 2024 و2025 إلى استمرار التعذيب وسوء أوضاع الاحتجاز في مصر رغم الالتزامات الدولية، وإلى محدودية أثر الخطاب الرسمي عن الإصلاح على الواقع داخل الأقسام والسجون.
ويحذر محمد زارع، مدير برنامج مصر في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، منذ سنوات من أن أي حوار أو وعود بالإصلاح تبقى بلا معنى إذا لم تُترجم إلى إرادة سياسية واضحة لتغيير واقع أماكن الاحتجاز، بما يشمل وقف التعذيب، وتمكين الرقابة القضائية الجادة، وضمان الشفافية في التعامل مع الشكاوى والبلاغات.
وانطلاقًا من هذا المنظور، يطالب حقوقيون بأن يكون أول اختبار لجدية أي حديث عن الإصلاح هو الكشف الفوري عن مكان احتجاز مصطفى أحمد، وتمكين محاميه وأسرته من التواصل معه، وفتح تحقيق مستقل في أي انتهاكات قد يكون قد تعرّض لها، إلى جانب التحقيق في وقائع الوفاة داخل مقار الاحتجاز التي كان يكتب عنها.
في المحصلة، يعكس ملف مصطفى أحمد تداخلًا بين ثلاث دوائر: القبض بسبب التعبير على الإنترنت، والإنكار المؤقت لمكان الاحتجاز، والسياق الأوسع لتوثيق التعذيب والوفيات داخل أماكن الاحتجاز.
ويرى خبراء حقوقيون أن معالجة هذه الدوائر لا تحتاج فقط إلى الإفراج عن ناشط أو آخر، بل إلى مراجعة شاملة لسياسات التعامل مع النقد الحقوقي، واحترام التزامات مصر الدستورية والدولية في منع التعذيب، وضمان ألا يصبح الحديث عن الوفيات داخل السجون سببًا جديدًا لامتلائها بمحتجزين جدد.

