وصل رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى بنغازي في زيارة وُصفت بالمفاجئة، والتقى خليفة حفتر ونجليه صدام وخالد، بحضور وفد رفيع ضم اللواء أحمد عبد الخالق المرتبط بملف غزة وفلسطين.
التوقيت فتح باب الأسئلة؛ لأن الزيارة جاءت وسط حديث عن احتقان بين القاهرة وحفتر، ومع تداول تقارير تربط الشرق والجنوب الليبيين بخطوط إمداد إلى قوات الدعم السريع في السودان.
زيارة أمنية ثقيلة لا بروتوكول فيها
البيانات الرسمية ركزت على «استمرار التواصل والتنسيق» وبحث التطورات المحلية والإقليمية.
الصياغة عامة، لكنها تحمل معنى عمليًا: القاهرة تريد قناة مباشرة مع مركز القرار في الشرق الليبي، وليس عبر وسطاء أو رسائل غير معلنة.
اللقاء ضم حفتر ونجليه، ما يعكس اعترافًا مصريًا بأن القرار الميداني موزع داخل العائلة، وأن صدام وخالد باتا جزءًا من غرفة التشغيل.
وجود اللواء أحمد عبد الخالق داخل الوفد لم يكن تفصيلًا؛ الرجل معروف في تغطيات عدة بدوره في ملفات غزة والتعامل مع الفاعلين غير النظاميين، ما يجعل اصطحابه مؤشرًا على أن القاهرة قرأت الزيارة باعتبارها تقاطع ملفات: ليبيا والسودان وغزة، وليس ملفًا حدوديًا بحتًا.
هذا يشرح لماذا ظهرت الزيارة كإجراء «أمني» أكثر من كونها مجاملة سياسية.
عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي ربيعة أبوراس ترى أن الزيارة تدخل ضمن «إعادة ضبط» شبكة النفوذ الأمنية المصرية غرب الحدود بعد تغيّر القيادة داخل الجهاز، وتقرأ لقاء رشاد بحفتر ونجليه كإقرار بأن مراكز القرار لم تعد محصورة في القائد وحده، بل تتوزع على جيل ثانٍ يدير ملفات جنوبية ذات امتدادات إقليمية.
هذا التوصيف يضع الزيارة في خانة الضغط المنظم، لا التواصل الروتيني.
أبوراس تربط ذلك مباشرة بالساحة السودانية. تقول إن القاهرة، وفق تقديرها، تسعى إلى «انتزاع التزامات أمنية» تحد من أي دعم محتمل لقوات حميدتي عبر الجنوب الليبي؛ لأن مآلات الصراع تمس توازنها الاستراتيجي.
هذا الربط لا يعتمد على العاطفة، بل على منطق خطوط الإمداد العابرة للحدود، وعلى حساسية مصر تجاه جبهة السودان.
حميدتي وخطوط الإمداد: أين يقف حفتر؟
الزيارة هي الثانية لرشاد خلال أقل من خمسة أشهر للقاء حفتر وقيادات قواته، لكنها جاءت هذه المرة وسط تداول أنباء عن سخط مصري بسبب استمرار حفتر في تقديم دعم لوجستي وعسكري لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي».
الحديث هنا يدور حول وقود وعتاد ومسارات عبور؛ أي أدوات حرب، وليس تواصلًا سياسيًا رمزيًا.
تزامن ذلك مع تقارير نُشرت أخيرًا تتحدث عن ضربات جوية مصرية استهدفت، منذ بداية الشهر، مسارات دعم عسكري يُقال إنه قادم من الإمارات مرورًا بالشرق أو الجنوب الليبي الخاضع لسيطرة حفتر، بينما التزم حفتر الصمت.
هذه النقطة رفعت مستوى التكهنات؛ لأن الصمت، في مثل هذه الملفات، يُقرأ كرسالة أو كمأزق.
ضمن هذا السياق، تبدو فرضية «الإنذار» منطقية: القاهرة ترفض استمرار تسهيل دعم قوات حميدتي، وتقول الروايات المتداولة إنها أبلغت حفتر ونجله صدام أكثر من مرة.
هنا يصبح سؤال الزيارة مباشرًا: هل جاء رشاد ليضع سقفًا نهائيًا، أم ليغلق ثغرة مع حليف لا تريد خسارته، لكنها لا تقبل تمرده على خطوطها الحمراء في السودان؟
الأكاديمي الليبي فرج دردور يرى قراءة مختلفة. يقول إن الزيارة لم تكن لتتم لولا شعور مصري بالرضا عن تطمينات قدمها حفتر بشأن وقف دعمه لحميدتي.
ويضيف أن هذا يتقاطع، حسب رأيه، مع «رضا سعودي» يفضّل تقليص الدور الإماراتي في مناطق سيطرة حفتر، ويستشهد بتمرير صفقة سلاح بين حفتر وباكستان بوصفها مؤشرًا على شبكة موافقات إقليمية لا تتحرك بلا حسابات.
دردور يربط أيضًا الزيارة برسائل من السيسي إلى عائلة حفتر حول نتائج زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة، وبالتنسيق المصري مع الشرق الليبي بشأن الاتفاقية التركية-الليبية.
ويذهب إلى أن حفتر لا يملك رفاهية تحدي الأمن القومي المصري في ملف السودان؛ لذلك «ما زالت مصر تثق في حليفها» وتتعامل معه كطرف يمكن استدعاؤه ومراجعته.
هذه القراءة تضع الزيارة في خانة «تثبيت الطاعة» لا «كسر التحالف».
تركيا والسعودية وغزة: توازنات تُدار بالاستخبارات
توقيت زيارة رشاد تزامن مع تحرك رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن في غرب ليبيا ولقائه مسؤولين في طرابلس.
هذا التوازي يعزز فكرة أن إدارة المشهد الليبي انتقلت إلى قنوات استخباراتية أكثر من المسارات السياسية الدولية، وأن العواصم الإقليمية تُمسك نقاط النفوذ على الأرض عبر تفاهمات أمنية متوازية.
ربيعة أبوراس ترى أن هذا النمط يعكس محاولة احتواء ليبيا داخل معادلات النفوذ الإقليمي، ومنع أي اختراق متبادل قد يعيد عسكرة الصراع.
وهي تعتبر أن تراجع فعالية المسارات الدولية فتح المجال أمام ترتيبات ثنائية تعيد رسم قواعد الاشتباك، ما يضع العملية السياسية الداخلية أمام اختبار استقلالية القرار وسط تشابك جيوسياسي متصاعد.
الباحث السوداني عباس محمد صالح ينقل التركيز إلى زاويتين: ضبط التوازن بين سلطات الشرق والغرب الليبيين، ثم تداعيات الحرب في السودان.
ويرى أن تقاطع مصالح مصر والسعودية وتركيا يدفعها إلى تنسيق لاحتواء «كيان حفتر» وجعله داعمًا لسياسة إقليمية جديدة تجاه بؤرتي الصراع، بما يعني تغيير سلوكه من خيارات تصعيدية إلى خيارات تُنتج استقرارًا محسوبًا.
صالح يضيف نقطة شديدة الحساسية: احتمال أن يكون اصطحاب اللواء أحمد عبد الخالق مرتبطًا بإقناع فريق حفتر بالعدول عن «إغراءات» لاستقبال فلسطينيين من غزة ضمن ترتيبات أوسع، في سياق حديث عن «مجلس السلام» الذي يقوده ترامب.
سواء صحت هذه الفرضية أو بقيت ضمن نطاق التسريبات، فهي تشرح سبب إدخال ملف غزة إلى زيارة تبدو، للوهلة الأولى، ليبية-سودانية.
الخلاصة التي تفرضها الزيارة أنها حملت سؤالًا واحدًا بأكثر من عنوان: هل يلتزم حفتر بسقف القاهرة في السودان، أم يواصل اللعب على حبال الإمارات ومسارات الجنوب؟
الإجابة لم تُعلن، لكن اجتماع بنغازي، بتشكيلة الحضور وتوقيته وتزامنه مع تحركات أنقرة، يؤكد أن الرسائل الأمنية تُكتب الآن في الغرف المغلقة، ثم تظهر آثارها لاحقًا على الخرائط وخطوط الإمداد.

