أدرج صندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الائتماني الممدد لمصر، والمراجعة الأولى لبرنامج المرونة والاستدامة، على جدول اجتماعات مجلسه التنفيذي يوم 25 فبراير الجاري.
في حال الموافقة، ستحصل حكومة السيسي على شريحة تمويل جديدة تبلغ 2.7 مليار دولار، تضاف إلى برنامج إجمالي بقيمة 8 مليارات دولار للتمويل الممتد، و1.3 مليار دولار تحت مسمى «المرونة والاستدامة»؛ بينما يبقى السؤال معلّقًا: من المستفيد الفعلي من هذا المسار… الاقتصاد الحقيقي أم خدمة الدين فقط؟
أموال جديدة مقابل نفس الوصفة القديمة
الاتفاق على مستوى الخبراء، الذي أُعلن في 22 ديسمبر 2025، شمل المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج «التسهيل الائتماني الممدد» بقيمة إجمالية 8 مليارات دولار، إلى جانب المراجعة الأولى لبرنامج «المرونة والاستدامة» البالغ 1.3 مليار دولار.
الآن ينتظر الملف تصويت مجلس المديرين التنفيذيين في 25 فبراير؛ ليُفرج عن نحو 2.7 مليار دولار دفعة واحدة، إذا لم تظهر مفاجآت في اللحظات الأخيرة.
هذه الشريحة ليست منحة، بل دين جديد بشروط معروفة:
• استمرار برنامج «الإصلاح» وفق رؤية الصندوق.
• مزيد من تقليص دور الدولة في الاقتصاد على الورق، مع توسيع دور القطاع الخاص.
• الإبقاء على أجندة تحرير الأسعار، وتقليص الدعم، وتوسيع قاعدة الضرائب.
في المقابل، يبقى المواطن المصري في مواجهة تضخم مرتفع، وأجور لا تلحق بالأسعار، وخدمات عامة تضغط عليها سياسات التقشف، بينما تُستخدم حصيلة القروض غالبًا لتقوية الاحتياطي وسداد التزامات سابقة، لا لضخ استثمارات إنتاجية جديدة يشعر بها الناس مباشرة.
أرقام نمو متفائلة.. وواقع اجتماعي مضغوط
رفع صندوق النقد، في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في يناير، توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الحالي إلى 4.7% بدلًا من 4.5% في تقديرات أكتوبر 2025.
كما عدّل توقعاته للعام المالي 2026/2027 إلى 5.4%، بدلًا من 4.7%، أي زيادة قدرها 0.7 نقطة مئوية، مستندًا إلى ما يصفه بـ«تحسن مسار التعافي» و«استمرار الإصلاحات الهيكلية».
في الظاهر، الأرقام إيجابية:
• نمو متوقع 4.7% في العام المالي الجاري.
• تسارع إلى 5.4% بحلول 2027، إذا سارت الأمور كما يريد الصندوق.
لكن خلف هذه الأرقام، تظل عدة حقائق:
• توقعات الصندوق ما زالت أقل قليلًا من مستهدف الحكومة نفسها، التي تتحدث عن 5% نمو في العام الحالي.
• النمو السابق كان عند 4.4% في 2024/2025؛ أي أن التحسن محدود، ولا يوازي حجم الصدمات التي تلقاها المجتمع من تعويمات، ورفع أسعار، وتوسّع في الضرائب والرسوم.
• لا تتحدث تقارير الصندوق كثيرًا عن توزيع ثمار النمو، ولا عن الفجوة بين مشروعات كثيفة الإنفاق العام، وبين تدهور مستوى معيشة شرائح واسعة من السكان.
بهذا الشكل، تتحول أرقام النمو إلى «شهادة حسن سلوك» للحكومة أمام المؤسسات الدولية والأسواق، أكثر من كونها مؤشرًا على تحسن ملموس في معيشة أغلبية المصريين.
برنامج ممتد حتى 2027.. وسؤال الاستدامة بدون ديون
بحسب هيكل البرنامج الحالي، يمتد التسهيل الائتماني الممدد حتى 2027، مع مراجعات متتالية ومرتبطة بإجراءات داخلية:
• تحرير أوسع لسعر الصرف أو إبقاؤه مرنًا.
• توسع في بيع الأصول وطرح الشركات.
• تخفيف أعباء الدولة على الورق، مع استمرار الإنفاق الكبير في مجالات بعينها.
في المقابل، يقف برنامج «المرونة والاستدامة» كعنوان يبدو فنيًا، لكنه في الجوهر أداة إضافية لربط الإصلاحات المناخية والهيكلية بتمويل جديد.
النتيجة الفعلية حتى الآن هي استمرار الاعتماد على القروض الخارجية كأداة لتمديد الوقت، لا كجسر عبور إلى نموذج اقتصادي أقل هشاشة.
كل مراجعة ناجحة تمنح الحكومة شريحة جديدة وتمديدًا سياسيًا في نظر الدائنين.
لكنها أيضًا تضيف إلى الدين الخارجي، وإلى فاتورة خدمة الدين التي تلتهم جزءًا متزايدًا من الموازنة العامة، على حساب الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الضروري لتغيير بنية الاقتصاد نفسه.
في هذا السياق، يبدو إدراج المراجعتين الخامسة والسادسة على جدول 25 فبراير، ليس مجرد محطة تقنية في علاقة مصر بصندوق النقد، بل حلقة جديدة في مسار طويل من «الإصلاح بالدَّين»، حيث تتحسن المؤشرات الورقية تدريجيًا، بينما يظل المجتمع تحت ضغط الأسعار، وتتآكل قدرة الأسر على اللحاق بتكاليف الحياة اليومية، في انتظار إجابة لم تأت بعد عن سؤال جوهري: متى يتوقف الاقتصاد المصري عن العيش على قروض جديدة لسداد القديمة؟

