قرار قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام في التعديل الوزاري الأخير، بعد 10 سنوات من عودتها في 2016، لا يبدو مجرد «إعادة هيكلة حكومية».
القرار جاء متزامنًا مع تحريك سريع لملف نقل 40 شركة مملوكة للدولة إلى الصندوق السيادي، وقيد 20 شركة أخرى في البورصة المحلية، وسط تكليفات رئاسية واضحة للحكومة بتنفيذ «سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة» حتى عام 2027.
التركة التي تتركها الوزارة الملغاة ليست هامشية
الوزارة كانت تشرف على 146 شركة، تمثل حوالي 26 بالمئة من إجمالي نحو 600 شركة مملوكة للدولة، عبر 6 شركات قابضة تأسست بالقانون 203 لسنة 1991، يتبعها 60 شركة، إضافة إلى 66 شركة أخرى تابعة، و561 شركة خاضعة لإعادة الهيكلة عبر «وحدة الشركات المملوكة للدولة» المنشأة بموجب القانون 170 لسنة 2025، وتتبع 45 جهة حكومية، و59 هيئة اقتصادية خضعت لمراجعة انتهت بتصفية 4 ودمج 7 وتحويل 9 والإبقاء على 39.
المشهد – بأرقامه وتوقيته – يدفع نحو قراءة واحدة عند كثير من الخبراء والعمال والنواب: الباب فُتح فعليًا أمام موجة خصخصة كبرى جديدة، بأدوات مختلفة وغطاء قانوني أوسع من موجة 1993 – 2016 التي شهدت بيع 248 شركة وتصفية 34 أخرى، بقيمة 53.6 مليار جنيه.
إلغاء وزارة عمرها 36 عامًا.. وولادة مركز قرار جديد للخصخصة
وزارة قطاع الأعمال العام وُلدت لأول مرة عام 1990، وتولاها لأول مرة عاطف صدقي.
أُلغيت في 2004، ثم عادت في 2016 في عهد السيسي، لتُلغى مجددًا في التشكيل الحكومي الأخير بعد 10 سنوات من عملها في صورتها الجديدة.
الوزير محمد شيمي فقد منصبه مع إلغاء الوزارة، ونُقلت أعمالها إلى مجلس الوزراء.
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي برّر الإلغاء بأن الوزارة كانت «لدور انتقالي انتهى»، معلنًا أن 6 شركات قابضة يتبعها 60 شركة ستخضع مؤقتًا لإشراف نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الدكتور حسين عيسى، مع احتمال نقل بعضها للصندوق السيادي وللوزارات، ومع نفي وجود «خطط للتصفية في الوقت الحالي».
التعديل الوزاري نفسه حمل إشارات إضافية.
تعيين حسين عيسى (70 عامًا) نائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بخلفيته كرئيس لجامعة عين شمس (2011 – 2015)، ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب (2016 – 2020)، ومنسق لمجلس التنمية الاقتصادية برئاسة الجمهورية، يضع ملف الشركات العامة في يد شخصية يُنظر إليها كمهندس لملف المالية العامة وإعادة هيكلة الدعم والاستثمار.
في المقابل، خرجت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية رانيا المشاط من الحكومة، رغم دورها المركزي في تمكين القطاع الخاص، وفي إصدار قانون الشركات المملوكة للدولة رقم 170 لسنة 2025، الذي أسّس للوحدة المركزية التابعة لمجلس الوزراء لإدارة ومراقبة وإعادة هيكلة شركات الدولة، وتنظيم طرح حصص منها في البورصة.
وجاء أحمد رستم وزيرًا جديدًا للتخطيط، في مرحلة عنوانها المعلن: «إعادة هيكلة 561 شركة تابعة لـ 45 جهة حكومية حتى 2027».
بين الإلغاء، وتغيير الأشخاص، وتوسيع دور الصندوق السيادي، تتشكل صورة مركز قرار جديد للخصخصة: رئاسة الجمهورية – مجلس الوزراء – نائب رئيس الوزراء الاقتصادي – وحدة الشركات – الصندوق السيادي.
من الحصر والدمج إلى نقل 40 شركة للصندوق السيادي وقيد 20 في البورصة
فور أداء حكومة مدبولي الجديدة القسم يوم الأربعاء، أعلن رئيس «وحدة الشركات المملوكة للدولة» هاشم السيد، عن بدء نقل 40 شركة مملوكة للدولة إلى الصندوق السيادي، وقيد 20 شركة أخرى في البورصة المحلية.
الخطوة جاءت قبل أن تهدأ صدمة قرار إلغاء الوزارة، ما عزز مخاوف من أن تكون البداية لعملية تصفية شاملة لوجود الدولة الإنتاجي المباشر.
هاشم السيد يرأس وحدة أُنشئت العام الماضي بموجب القانون 170 لسنة 2025، لإعادة هيكلة 561 شركة تتبع 45 جهة حكومية، ضمن خطة حتى 2027.
هذه الوحدة تعمل بالتوازي مع «لجنة إصلاح وإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية» التي بدأت عملها في 2022، وراجعت أوضاع 59 هيئة اقتصادية، وانتهت في 4 ديسمبر الماضي إلى:
• تصفية وإلغاء 4 هيئات.
• دمج 7 هيئات في أخرى.
• تحويل 9 هيئات من اقتصادية إلى عامة.
• الإبقاء على 39 هيئة، مع إعادة هيكلة تفصيلية لاحقة.
في اجتماع الخميس الأول للحكومة الجديدة، أكد مدبولي أن «هيكلة الهيئات الاقتصادية والشركات المملوكة للدولة أحد أهم ملفات هذه المرحلة»، في انسجام تام مع بيان الرئاسة الذي طالب بتنفيذ «سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة».
سياسيًا وبرلمانيًا، تحركت أسئلة وطلبات إحاطة:
• النائب محمد فؤاد، والنائب طاهر الخولي، تقدما بطلبَي إحاطة منفصلين ومتتابعين، الأربعاء والخميس، حول مصير ملكية الدولة لشركات قطاع الأعمال العام بعد إلغاء الوزارة، ومصير العاملين فيها.
• الباحث الاقتصادي حسن بربري حذر من أن يكون القرار مقدمة لبيع شركات الوزارة.
• رئيس مركز «الحق في الدواء» محمود فؤاد تساءل عن مصير شركات الأدوية التابعة للقطاع.
• رئيس حزب «الخضر» محمد عوض عبّر عن مخاوفه من بيع هذا العدد من الشركات، مستخدمًا التعبير الشعبي «بيع يا لطفي».
في الميدان العمالي، أيمن سعيد، الناشط العمالي في شركة «النحاس المصرية»، طرح أسئلة مباشرة: كيف ستدار الشركات؟ هل القرار إنقاذ أم تمهيد للتخلي عنها؟ وهل سيتم الحفاظ على العمالة؟
في خلفية هذه الأسئلة، تظهر تجربة السنوات العشر الماضية في عهد السيسي مع شركات كبرى:
• تصفية القومية للإسمنت في أكتوبر 2018.
• تصفية الحديد والصلب (حلوان) في يناير 2021.
• تصفية النصر لصناعة الكوك في سبتمبر 2022.
• تصفية «راكتا» (العامة لصناعة الورق) فيمارس 2024.
• تصفية المصرية للإنشاءات المعدنية «ميتالكو» في يوليو 2024.
وفي موازاة ذلك، برنامج طروحات بين 2022 و2024 شمل بيع شركات عامة أو حصص منها لشركاء أجانب ومحليين، منها: «إيسترن كومباني» (الشرقية للدخان 1920)، «فوري» للمدفوعات الإلكترونية، «أبو قير للأسمدة»، «موبكو» (مصر لإنتاج الأسمدة)، «الإسكندرية لتداول الحاويات»، «إي فاينانس»، «باكين» للبويات، «العز الدخيلة للصلب»، و«الفنادق السبعة التاريخية»، و«حلوان للأسمدة»، وغيرها، مع تمدد جهاز عسكري مقرب من السيسي في 7 محافظات وملفات صفقات دولية.
تركة 146 شركة و126 مليار جنيه إيرادات.. تاريخ اقتصادي تحت مقصلة «إعادة الهيكلة»
وزارة قطاع الأعمال العام كانت تشرف على 146 شركة، تشكل تقريبًا 26 بالمئة من إجمالي 600 شركة مملوكة للدولة، وفق تصريحات مدبولي.
بحسب بيانات الوزارة لعام 2024/2025، حققت شركاتها 126 مليار جنيه إيرادات، و24 مليار جنيه صافي ربح، وصادرات بقيمة 1 مليار دولار، بنسبة ارتفاع 27 بالمئة.
الوزارة تشير أيضًا إلى أن 75 بالمئة من هذه الشركات رابحة.
تحت مظلة الوزارة الملغاة، تقع 6 شركات قابضة (سياحة وفنادق، أدوية ومستلزمات طبية، صناعات كيماوية، صناعات معدنية، قطن وغزل ونسيج، تشييد وتعمير) تأسست بالقانون 203 لسنة 1991، إضافة إلى 66 شركة أخرى، كثير منها يحمل تاريخًا اقتصاديًا واجتماعيًا يمتد لأكثر من 150 عامًا.
من بين هذه الشركات التاريخية – على سبيل المثال لا الحصر – شركات تأسست في أعوام:
• 1856: عمر أفندي.
• 1882: بيوت الأزياء الراقية – هانو.
• 1898: المكتب العربي للاستشارات الهندسية – مصلحة المباني الأميرية.
• 1904: المعادي للتنمية والتعمير.
• 1906: مصر الجديدة للإسكان والتعمير.
• 1913: صيدناوي.
• 1917: المساهمة المصرية للمقاولات – العبد.
• 1920: الشرقية «إيسترن كومباني».
• 1924: مصر لتجارة وحلج الأقطان.
• 1927: المصرية للمواسير – سيجوارت.
• 1929: المحاريث والهندسة.
• 1932: النصر للزجاج والبلور، و«بيع المصنوعات المصرية».
• 1934: مصر للسياحة، والمعمورة للتعمير والتنمية السياحية.
• 1935: مصانع النحاس.
• 1936: النصر العامة للمقاولات – حسن علام، والمقاولات المصرية – مختار إبراهيم.
• 1938: مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار.
• 1939: مصر للمستحضرات الطبية.
• 1940: ممفيس للكيماويات والأدوية.
• 1946: مصر لغزل ونسيج المحلة، والنقل والهندسة، والنصر للأسمدة والصناعات الكيماوية، ومصر للحرير الصناعي.
• 1947: تنمية الصناعات الكيماوية – «سيد»، والدلتا للصلب.
• 1951: التجارية للأخشاب.
• 1954: الحديد والصلب للمناجم، وطنطا للكتان والزيوت.
• 1955: الخزف والصيني، والإسكندرية للحراريات، ومصر للفنادق.
• 1956: الصناعات الكيماوية – «كيما» بأسوان.
• 1957: سيناء للمنجنيز، والنصر للسيارات.
• 1958: صيانة اليايات ومهمات وسائل النقل، والعامة لصناعة الورق – «راكتا».
• 1959: مصر لصناعة الكيماويات، ودمياط للغزل والنسيج.
• 1960: النصر لصناعة المطروقات، والنصر للتعدين، والنصر للكيماويات.
• 1961: النصر للملاحات، والمطابع الصناعية – محرم.
• 1962: المواسير والصلب، والنيل للأدوية، والقاهرة للأدوية والصناعات الكيماوية، والشرقية للأدوية، والنصر العامة للإسكان والتعمير.
• 1963: العربية للأدوية والصناعات الكيماوية – «أدكو».
• 1964: النيل لصناعة وإصلاح السيارات، والعبوات الدوائية.
• 1966: «وجه قبلي» للغزل والنسيج بأسيوط وسوهاج وقنا.
• 1969: المصرية للسبائك الحديدية، والنصر لمنتجات الكاوتشوك.
• 1971: السد العالي للمشروعات الكهربية – «هايديليكو».
• 1974: الدقهلية للغزل والنسيج.
• 1976: مصر للألومنيوم، والمصرية للسياحة والفنادق – «إيجوث».
• 1980: مصر للصوت والضوء والسينما.
• 1991: مصر لأعمال الأسمنت المسلح، والنصر للمباني – «إيجكو».
• 1998: الدلتا للأسمدة والصناعات الكيماوية.
هذه الشبكة من الشركات تمتد عبر قطاعات الصناعة الثقيلة (الحديد والصلب، التعدين، المواسير والصلب، السبائك الحديدية)، الكيماويات (كيما، النصر للكيماويات، الأسمدة، الدلتا)، الغزل والنسيج في الوادي والدلتا (المحلة، كفر الدوار، شبين الكوم، حلوان، دمياط، وجه قبلي، الدقهلية)، السيارات والنقل (النصر للسيارات، النيل لصناعة وإصلاح السيارات، صيانة اليايات)، البناء والتشييد (النصر للإسكان والتعمير، المقاولات المصرية، حسن علام، مصر لأعمال الأسمنت المسلح، إيجكو)، التجارة والسياحة (عمر أفندي، هانو، صيدناوي، بيع المصنوعات المصرية، مصر للسياحة، مصر للفنادق)، الورق والطباعة (راكتا، مطابع محرم)، والأدوية (مصر للمستحضرات الطبية، ممفيس، مصر لصناعة الكيماويات، النيل، القاهرة، أدكو، العبوات الدوائية، سيد، الدلتا للأسمدة).
الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي يرى أن إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام لن يغيّر اتجاه الدولة نحو الخصخصة، لأن هذا الاتجاه مستمر منذ مطلع التسعينيات، لكنه يحذر من أن إدارة الملف بعد 2013 تتم بطريقة «تثير الكثير من الشبهات»، خاصة مع توسع دور الصندوق السيادي، الذي يحتفظ بفوائضه خارج الموازنة العامة ولا تؤول إليها، بما يعني عمليًا إخراج الشركات المنقولة إليه من رقابة البرلمان عبر الموازنة.
الصاوي يربط جوهر القضية بثلاثة أسئلة:
• ماذا تضيف موجة الخصخصة الجديدة للناتج المحلي الإجمالي؟
• كيف تنعكس على الميزان التجاري وعجزه؟
• ما أثرها على الأمن القومي المصري، عندما يتعلق الأمر بقطاعات حيوية كالأدوية، والغذاء، والطاقة، والنقل، والصلب، والموانئ؟
في ضوء الأرقام: 146 شركة، 126 مليار جنيه إيرادات، 24 مليار جنيه أرباح، 1 مليار دولار صادرات، 561 شركة قيد إعادة الهيكلة، 59 هيئة اقتصادية، 248 شركة بيعت، 34 صُفّيت، و53.6 مليار جنيه حصيلة بيع قديمة، تبدو الخصخصة المقبلة أكبر من «إلغاء وزارة»؛ أقرب إلى إعادة رسم خريطة ملكية الدولة بالكامل، تمهيدًا لخصخصة كبرى قد لا يتضح حجمها الفعلي إلا بعد اكتمال نقل الشركات إلى الصندوق السيادي والأسواق خلال السنوات حتى 2027.

