بحسب تقرير صحفية، عبّرت جهات رسمية إسرائيلية عن قلقها من “العدد الهائل” للراغبين في العودة، وأشارت إلى أن السياسة الإسرائيلية كانت تهدف إلى فرض معادلة تجعل عدد المغادرين القطاع يفوق عدد العائدين.
مصر رفضت هذه المعادلة، واعتبرتها محاولة لتكريس خطة تهجير طويلة الأمد، وأصرّت – وفق التقرير نفسه – على أن يكون عدد المغادرين مساويًا لعدد العائدين، بما يمنع استخدام المعبر أداة لتغيير ديموغرافي تحت غطاء الترتيبات الأمنية.
في هذا السياق، تؤكد شهادات نقلتها الصحيفة، وأخرى رصدتها منصات إعلامية وحقوقية، أن بعض العائدين سُئلوا صراحة إن كانوا يقبلون الحصول على أموال للعودة إلى مصر وعدم الرجوع إلى غزة، أو للعمل كمخبرين لصالح الأجهزة الإسرائيلية.
رسالة قانونية مشتركة من «مركز عدالة» و«غيشاه – مسلك» وُجّهت إلى وزير الدفاع يسرائيل كاتس والمدعي العام العسكري والمستشارة القانونية للحكومة، طالبت بوقف هذه الممارسات فورًا، واعتبرت أن الهدف الواضح منها هو ردع مزيد من الفلسطينيين عن ممارسة حقهم في العودة إلى القطاع.
ست محطات و24 ساعة من التنكيل: تفاصيل مسار العودة
شهادات العائدين التي وثّقتها صحف ومواقع فلسطينية ودولية تصف طريقًا واحدًا تقريبًا: خروج من الجانب المصري، ثم المرور عبر ترتيبات السلطة الفلسطينية والبعثة الأوروبية، قبل الوصول إلى مسلحين من «ميليشيا أبو شباب» يعملون برعاية إسرائيلية، ثم تسليم العائدين إلى نقطة تفتيش عسكرية إسرائيلية جديدة على شارع صلاح الدين.
مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة قال إنه جمع أدلة من عدة عائدين تفيد بأن مسلحين – يُعرَف أنهم يتحركون بدعم من الجيش الإسرائيلي – كبّلوا أيدي بعض العائدين، وعصبوا أعينهم، وهددوهم، وفتشوا أمتعتهم، وسرقوا أموالهم وممتلكاتهم الشخصية.
بعد ذلك، يخضع العائدون لفحص أمني منظم عند نقطة تفتيش إسرائيلية، تحدثت عنها شهادات للأمم المتحدة ووكالات أنباء كمساحة يتكرر فيها نمط من “سوء المعاملة والتحقيق المهين”، بما في ذلك تقييد الأيدي وتعصيب الأعين لفترات طويلة، ومنع الوصول إلى المراحيض أو تلقي علاج طبي فوري لمرضى ومصابين.
ثلاث فلسطينيات تحدثن لوكالة «أسوشييتد برس» عن خضوعهن لاستجواب قاسٍ عند نقطة فرز عسكرية بعد المعبر: أوضحن أنهن وُضعن في غرفة منفصلة، وتم تقييدهن وتعصيب أعينهن، وتوجيه تهديدات لهن، بينها التهديد بالاعتقال وعدم السماح لهن بالعودة إلى أطفالهن ما لم يقدّمن معلومات أمنية أو يوافقن على العمل لحساب الجيش الإسرائيلي.
في كل هذه المراحل، تقارير الأمم المتحدة تشير إلى “نمط متكرر” من الإهانات والتهديدات والتضييق على المتعلقات الشخصية، وليس إلى حوادث فردية معزولة. في المقابل، ينفي الجيش الإسرائيلي – وفق ما نقلته الوكالة نفسها – وجود سياسة إساءة معاملة ممنهجة أو مصادرة غير قانونية لأمتعة العائدين.
التزامات قانونية واضحة.. واتهامات باستخدام العقاب الجماعي والتهجير
الرسالة القانونية التي أرسلها «عدالة» و«غيشاه» تستند إلى حزمة من المواثيق الدولية: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 13)، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة جريمة الفصل العنصري، وميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية. وتؤكد أن لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد – بما في ذلك بلده – والعودة إليه دون تعرّض لعقاب أو ابتزاز.
مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وصف ما يحدث على معبر رفح ونقطة التفتيش التابعة للجيش بأنه “أنماط من سوء المعاملة والإكراه” ضد أشخاص يمارسون حقًا أساسيًا في العودة إلى مناطقهم، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات قد تثني آخرين عن العودة، وتحوّل الطريق إلى أداة للضغط السياسي والديموغرافي.
منظمات حقوقية دولية، مثل «هيومن رايتس ووتش»، سبق أن وثّقت على نطاق أوسع في تقرير مطول أن سياسات إسرائيل في غزة أدت إلى تهجير قسري لمئات الآلاف من السكان، وخلصت إلى أن نمط هذه الممارسات قد يرقى إلى جرائم حرب تتعلق بالتهجير القسري. في هذا السياق الأوسع، يُقرأ التضييق على العائدين عبر رفح كجزء من منظومة أوسع تهدف – بحسب هذه المنظمات – إلى التحكم في حركة الفلسطينيين وإعادة تشكيل الخريطة السكانية للقطاع.
في الداخل الإسرائيلي، تضيف تحركات «عدالة» و«غيشاه» ومنظمات أخرى بعدًا إضافيًا؛ فهي تستخدم أدوات القانون الإسرائيلي نفسه للطعن في هذه السياسات أمام الجهات القضائية والنيابية، وتطالب بأوامر صريحة توقف سوء المعاملة، وتضمن عبورًا إنسانيًا للعائدين، خصوصًا المرضى وكبار السن.
الخلاصة أن ما يجري على خط رفح – ناصر لا يبدو مجرد “إشكالات تنظيمية” في معبر أعيد فتحه جزئيًا؛ بل مسارًا منظمًا تُستخدم فيه الميليشيات المسلحة والقوة العسكرية والإجراءات البيروقراطية لفرض ثمن باهظ على قرار العودة. في مواجهة ذلك، تضع النصوص الدولية إسرائيل أمام التزام واضح: تمكين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم بأمان وكرامة، لا تحويل رحلة العودة إلى أداة عقاب جماعي وردع سياسي.

