في الوقت الذي تصرّ فيه وزارة التموين على نفي وجود أي زيادات في أسعار السكر، تكشف جولة ميدانية في منافذ حكومية وخاصة بالقاهرة والجيزة عن واقع مختلف تمامًا: كيلو السكر الذي كان يتراوح بين 26 و28 جنيهًا للمستهلك قبل أسابيع، يقفز الآن إلى 32 جنيهًا في بعض المناطق، بينما تتحدث البيانات الرسمية بثقة عن أسعار «مستقرة» و«لا زيادات».
المفارقة تصبح أكثر حدة إذا وُضِعت في سياق قرار حكومي حديث بإعادة فتح باب تصدير السكر لأول مرة منذ نحو ثلاث سنوات، بدعوى وجود «فائض» محلي يناهز مليون طن، في بلد يقدَّر استهلاكه السنوي من السكر بنحو 3.2 مليون طن.
بين بيان يطمئن، وسوق يشتعل، وقرارات تصدير تُسوَّق على أنها إدارة رشيدة للفائض، يقف المواطن أمام رفوف فارغة أحيانًا، وأسعار متحركة غالبًا، ويسأل ببساطة: إذا كان السعر «أرض المصنع» 23 ألف جنيه للطن كما تقول الدولة، فلماذا أدفع أنا 32 جنيهًا للكيلو؟ ومن يبتلع الفرق في المنتصف؟
جولة ميدانية تفضح رواية «لا زيادات»
الصور القادمة من أرض الواقع لا تشبه على الإطلاق جملة «لا توجد أي زيادات في أسعار السكر» التي يرددها مسؤولو وزارة التموين وشركاتها القابضة. فالجولة التي شملت 10 منافذ بيع في القاهرة والجيزة تكشف خريطة أسعار متباينة لكنها تتحرك كلها في اتجاه واحد: الأعلى.
في «المجمعات الاستهلاكية» التابعة لوزارة التموين، وصل سعر الكيلو إلى 28 جنيهًا، أي أعلى من سقف الشهر الماضي الذي تراوح بين 26 و28 جنيهًا، مع شكاوى من محدودية الكميات واشتراط شراء عدد أكياس محدد لكل مواطن.
في منافذ «أمان» التابعة لوزارة الداخلية، بدا السعر أكثر ارتفاعًا عند 30 جنيهًا للكيلو، بينما استقر في منافذ جهاز «مستقبل مصر» التابع للقوات المسلحة عند 27 جنيهًا، في محاولة واضحة لتقديم الجهاز كأرخص الخيارات «الرسمية» المتاحة للمستهلك.
أما لدى التجار والمحال الخاصة، فالصورة أكثر قسوة؛ إذ تراوحت الأسعار بين 29 و32 جنيهًا للكيلو، حسب كل منطقة وسلسلة تجارية. أصحاب هذه المحال أجمعوا على أن السبب المباشر هو قفز سعر «الجملة» إلى ما بين 27 و29 جنيهًا للكيلو، مقارنة بـ 24–26 جنيهًا قبل سماح الحكومة بإعادة تصدير السكر، وأن زيادة تتراوح بين 2000 و4000 جنيه للطن فرضت نفسها على السوق في غضون أسابيع قليلة فقط.
في المقابل، يخرج العضو المنتدب لشركة السكر والصناعات التكاملية – التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية – لينفي من أساسه حدوث أي زيادات، مؤكدًا أن سعر الطن «أرض المصنع» لا يزال بين 22 و23 ألف جنيه، وفق «آليات التسعير المعمول بها» ودون أي قرارات جديدة.
هذا التناقض الفج بين خطاب الورق وواقع الرفوف يفتح بابًا مشروعًا للشك: إذا كانت شركات الدولة تبيع بهذا السعر المنخفض نسبيًا، فمن أين يأتي قفز الكيلو إلى 32 جنيهًا؟
هل المشكلة في طبقات من الوسطاء والتجار فقط؟ أم في ندرة المعروض؟ أم في قرارات سياسية أعادت توجيه جزء من الإنتاج إلى الخارج بينما السوق المحلية لم تشفَ بعد من صدمة 2024؟
تصدير «الفائض» أم تصدير الأزمة؟
منذ 2023، تتبنى الحكومة سياسة حظر تصدير السكر مع تجديد القرار على فترات، بدعوى حماية السوق المحلية وضمان تلبية احتياجات المواطنين. آخر هذه القرارات صدر في أكتوبر 2025، بمدّ الحظر حتى مارس 2026، مع استثناء وحيد يسمح بتصدير «الكميات الفائضة عن احتياجات السوق»، بعد تقديرها من وزارة التموين وموافقة وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
هذا الاستثناء هو الباب الذي دخلت منه الحكومة، في يناير الماضي، لتعلن السماح بإعادة تصدير السكر إلى الخارج لأول مرة منذ نحو ثلاث سنوات، مع تأكيدات رسمية بأن القرار لن يؤثر على الأسعار داخل مصر، لأن ما يخرج هو «فائض» عن الاستهلاك المحلي.
رئيس شعبة السكر في اتحاد الصناعات، حسن الفندي، قدّم رواية منسجمة مع هذا الخطاب؛ إذ قال إن الفائض يناهز مليون طن، وإن استمرار تكدسه أدى إلى تراجع الأسعار وتكبّد المصنعين خسائر، وبالتالي كان المنطقي – من وجهة نظره – السماح بالتصدير لامتصاص المعروض الزائد وإعادة التوازن للسوق.
لكن ما تكشفه الأرفف اليوم يقول شيئًا آخر؛ فالسعر لم يستقر بعد قرار التصدير، بل اتجه للصعود. وإذا كان هناك فائض حقيقي بهذا الحجم، فكيف نفسر زيادة 2000 جنيه للطن في بداية الشهر، ثم قفزات متتالية في سعر «الجملة» وصلت إلى 4000 جنيه؟
التقديرات الدولية والاستهلاكية تشير إلى أن استهلاك مصر السنوي من السكر يدور حول 3.2 مليون طن، في بلد عانى أصلًا من قفزات في الأسعار وصعوبات في الاستيراد منذ 2024 لسد فجوة الإنتاج المحلي. في هذا السياق، يبدو الحديث عن «فائض مليون طن» بحاجة إلى شفافية أكبر:
كيف حُسب هذا الفائض؟
وما حجم المخزون الاستراتيجي الفعلي المتاح إذا استمرت موجة الزيادات أو حدث اضطراب في التوريد العالمي؟
ما يحدث فعليًا هو أن السوق تتلقى رسالة مزدوجة: من جهة، تصدير أكبر بدعوى تشجيع الصناعة، ومن جهة أخرى، نفي رسمي لأي زيادات، بينما يدفع المستهلك في صمت ثمن قرار لم يشارك في مناقشته أو حتى في معرفة تفاصيله.
من المستفيد من تشوّه الأسعار.. ومن الخاسر الأكبر قبل رمضان؟
المعادلة الحالية تجعل أطراف اللعبة واضحة:
المنتجون يسعون للحصول على سعر أعلى يغطّي تكاليفهم ويضمن لهم هامش ربح مريح، ويعتبرون تصدير «الفائض» حقًا اقتصاديًا مشروعًا، خاصة مع صعود الأسعار العالمية وإتاحة فرصة لجلب عملة صعبة.
التجار – كبارًا وصغارًا – يحاولون تمرير الزيادات بأقصى ما تسمح به قدرة المستهلك، مستندين إلى تحرك أسعار «الجملة» وإلى حالة الارتباك التي تخلقها التصريحات المتناقضة.
الحكومة تحاول أن تقف في المنتصف: تُرضي المصنعين بقرار التصدير، وتطمئن المواطنين ببيانات نفي الزيادات، وتستخدم منافذ تابعة لها – مثل المجمعات الاستهلاكية وجهاز مستقبل مصر – لتقديم صورة من «الانضباط» السعري، حتى لو لم تكن الكميات كافية لكل من يحتاج.
في المقابل، لا يملك المستهلك سوى مساحة ضيقة للمناورة: تقليل الكميات، استبدال السكر بالتحلية أقل جودة، أو الاستسلام لارتفاع السعر، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يعد ذروة استهلاك للسكر في المنازل والصناعات الغذائية معًا.
الأخطر أن غياب تسعيرة استرشادية ملزمة، مقرونة برقابة جادة على حلقات التوزيع، يترك الباب مفتوحًا أمام ممارسات احتكارية جزئية أو تنسيق غير معلن بين بعض كبار التجار، مستفيدين من ضبابية الصورة بين «أرض المصنع» ورف المتجر.
النتيجة النهائية أن ما يسمَّى «إدارة فائض السكر» يتحوّل عمليًا إلى إعادة توزيع للأعباء:
المصنّع يتخفف من خسائره عبر التصدير بسعر أعلى، والحكومة تحافظ على خطاب رسمي مطمئن، بينما المواطن يتحمّل فارق السعر في كل كيس سكر يشتريه، بلا تفسير مقنع ولا معلومات شفافة.
في بلد يشهد تضخمًا مزمنًا وتآكلًا في القدرة الشرائية، يصبح السكر – بوصفه سلعة أساسية تدخل في كل بيت – مرآة صادقة لاختبار صدقية الخطاب الاقتصادي الرسمي.
فإذا كانت الحكومة جادة في حماية المستهلك، فالمطلوب ليس فقط نفي الزيادات في البيانات، بل إعلان واضح وشفاف عن حجم الإنتاج، وحجم «الفائض» المسموح بتصديره، وآلية تسعير تربط بشكل منطقي بين 23 ألفًا للطن داخل المصنع و32 جنيهًا للكيلو عند البقال… وإلا سيبقى السؤال معلّقًا: من يربح من تلك الفجوة، ومن يدفع ثمنها في النهاية؟

