رغم مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على صدور قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010، لا تزال منظومة التبرع بالأعضاء والأنسجة في مصر حبيسة الأوراق والتصريحات، بينما تُترك آلاف الحالات لمصير معلق بين قوائم انتظار طويلة وفواتير استيراد باهظة.
التصريحات الرسمية تؤكد أن “الإطار التشريعي محسوم” وأن “الإمكانيات الطبية متوفرة”، لكن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النص والتطبيق، وبين خطاب “تشجيع التبرع” من جهة، واستمرار الاعتماد على الخارج من جهة أخرى، في مشهد يثير أسئلة قاسية حول الإرادة السياسية، ومصالح اقتصادية غير معلنة، وعجز مزمن عن تحويل الغطاء الشرعي والقانوني إلى سياسات فعلية تخفف آلام المرضى بدلًا من تعميقها.
تشريع جاهز.. ومنظومة مشلولة
تصريحات الدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، تقرّ بأن الجدل القانوني حول التبرع بالأعضاء انتهى منذ صدور القانون في 2010، وأن المشكلة لم تعد في “النصوص” بل في التطبيق والوعي والتنفيذ. ومع ذلك، فإن مجرد الحديث بعد كل هذه السنوات عن “ضعف الوعي المجتمعي” يبدو أقرب إلى شماعة جاهزة تُعلَّق عليها فشل الدولة في إطلاق منظومة متكاملة للتبرع.
فالدولة التي تمتلك – بحسب مرشد – الإمكانيات الفنية والطبية لإنشاء بنوك للأنسجة في مستشفياتها، وتؤكد أن التجهيزات ليست معقدة أو مكلفة مقارنة بقدرات النظام الصحي، لا تملك حتى الآن إلا خطابًا متكررًا عن “الاستعداد” و”الجاهزية”، بينما لا تُرى على الأرض شبكة وطنية واضحة المعالم للتبرع بعد الوفاة، ولا سجل مركزي فعّال للمتبرعين، ولا حملات توعية مدروسة تقودها مؤسسات الدولة بشكل مستدام، بل مجرد موجات إعلامية متقطعة سرعان ما تخبو.
استيراد الأنسجة: علاج للمرضى أم تكريس لبيزنس مكلف؟
الاعتراف البرلماني بالاعتماد على استيراد الأنسجة – وعلى رأسها القرنيات – بتكلفة تتراوح بين 70 و80 ألف جنيه للقرنية الواحدة، يضع الدولة أمام اتهام مباشر بأنها اختارت الطريق الأسهل والأغلى بدلًا من بناء منظومة وطنية مستدامة للتبرع. فحين تُترك المستشفيات لعجز التبرعات المحلية، بينما تُضخ الملايين سنويًا في استيراد أنسجة كان يمكن توفير جزء كبير منها من متبرعين محليين، يتحول الملف من قضية “صحة عامة” إلى سؤال عن “مصالح قائمة” تستفيد من استمرار الوضع كما هو.
مقترح النائبة أميرة صابر بإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية، وتساؤلها عن جدوى الاستمرار في استيراد الجلد الطبيعي لعلاج مصابي الحروق بتكلفة قد تصل إلى مليون جنيه للحالة الواحدة، يكشف حجم التناقض بين الإمكان والواقع؛ لدينا كفاءات طبية قادرة، وتشريع قائم، وغطاء شرعي معلن، لكن القرار السياسي الجاد بتغيير قواعد اللعبة ما زال غائبًا، لصالح نموذج “الاستيراد الدائم” الذي يدفع ثمنه المرضى وذووهم.
غطاء شرعي واضح.. لماذا لا يتحرك المجتمع والدولة؟
على المستوى الشرعي، لا يمكن التذرع بوجود “لبس ديني” بعد أن أعلنت دار الإفتاء المصرية بوضوح جواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بضوابط محددة تمنع البيع وتجريم الاتجار وتحفظ كرامة الإنسان حيًا وميتًا. تصريحات الشيخ علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء، تؤكد أن المسألة خضعت للدراسة وانتهت إلى الجواز، مع اشتراط أن يكون الانتقال على سبيل التبرع لا البيع، ومنع أي انتهاك لحقوق الإنسان أو الأطفال. كما أن الإعلان عن تشكيل لجنة متخصصة داخل دار الإفتاء لدراسة إنشاء بنك وطني للأنسجة والأعضاء تحت إشراف مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد، يعني أن المؤسسة الدينية لا تقف عائقًا، بل تفتح الباب وتمنح الغطاء الشرعي.
ورغم هذه الإشارات، لا يزال الخطاب الرسمي يميل إلى تحميل المجتمع وحده مسؤولية “الخوف” و”سوء الفهم”، بدلًا من الاعتراف بأن غياب خطة حكومية متكاملة – تشريعية وإدارية وإعلامية ودينية – هو ما أبقى ثقافة التبرع في مصر حبيسة الفتاوى والبرامج التلفزيونية دون ترجمة إلى منظومة عملية قابلة للقياس والرقابة.
بين البرلمان والإعلام والإفتاء: إرادة تغيير حقيقية أم إدارة أزمة إعلامية؟
توازي الحراك البرلماني (مقترحات بإنشاء بنك وطني للأنسجة) مع تغطية إعلامية مكثفة وتصريحات شرعية داعمة من دار الإفتاء، يبدو ظاهريًا علامة على تحرك شامل نحو تفعيل منظومة وطنية للتبرع بالأعضاء والأنسجة. لكن التجربة المصرية مع ملفات مشابهة تقول إن كثافة التصريحات لا تعني بالضرورة وجود إرادة سياسية حقيقية للتغيير، بل قد تكون في كثير من الأحيان محاولة لإدارة حالة الغضب وامتصاص النقد من خلال “استعراضات كلامية” لا تتبعها خطوات ملموسة.
إذا كانت الدولة جادة بالفعل، فإن معيار الجدّية لن يكون في عدد البرامج التي تتحدث عن “فضل التبرع” أو “أهمية إنقاذ الأرواح”، بل في وجود خطة زمنية واضحة لإنشاء بنك وطني للأنسجة، وربطه بمستشفيات الدولة، وتحديث قاعدة البيانات الخاصة بالمتبرعين، وإطلاق حملات توعية حقيقية بمشاركة وزارة الصحة والأوقاف والأزهر والإعلام. ما دون ذلك، سيبقى ملف التبرع بالأعضاء في مصر نموذجًا لسياسة “القانون موجود، والفتوى متاحة، لكن التنفيذ مؤجل”، بينما يواصل المرضى دفع الثمن من أعينهم وأجسادهم وجيوبهم.

