في تصعيد جديد يعيد المنطقة إلى أجواء ما قبل الحروب الكبرى، حذّر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، اليوم الأحد، من أن أي هجوم عسكري أمريكي على بلاده سيشعل «حربًا إقليمية» في الشرق الأوسط، في وقت يحاول فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف لهجته علنًا بالحديث عن مفاوضات «جدية» مع طهران، بعدما ساهمت واشنطن فعليًا، إلى جانب إسرائيل، في حرب استمرت 12 يومًا على إيران في يونيو الماضي. وبين تهديد المرشد وحديث ترامب عن «الأمل في اتفاق مقبول»، يبدو المشهد أقرب إلى مباراة عض أصابع مفتوحة على كل الاحتمالات.

 

خامنئي يلوّح بحرب إقليمية ويصف الاحتجاجات بـ«الانقلاب»

 

وفق وكالة «أسوشيتد برس»، تُعد تصريحات خامنئي – البالغ من العمر 86 عامًا – الأكثر مباشرة وحدّة حتى الآن، إذ وجّه تهديدًا واضحًا بأن أي ضربة أمريكية ستتحول إلى صراع إقليمي واسع، في ظل وجود حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln ومجموعة سفن حربية مرافقة لها في بحر العرب، كانت إدارة ترامب قد أرسلتها بعد اندلاع موجة احتجاجات داخل إيران على تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار.

 

الاحتجاجات التي بدأت بمطالب معيشية، تحولت في مسارها إلى هتافات سياسية تطالب بإسقاط النظام، قبل أن تُخمدها السلطات الشهر الماضي وسط تقارير عن اعتقال عشرات الآلاف، بحسب «أسوشيتد برس». خامنئي وصف تلك الاحتجاجات بأنها «انقلاب»، ملقيًا باللائمة مباشرة على ترامب الذي – بحسبه – «شجّع المتظاهرين» على الاستمرار.

 

الملف الأخطر في هذا السياق هو ما يرتبط بعقوبة «الفتنة» في القانون الإيراني، والتي قد تصل إلى الإعدام، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من احتمال تنفيذ إعدامات جماعية بحق المعتقلين، في خطوة يعتبرها ترامب «خطًا أحمر» كما تسرّب من مواقفه الأخيرة.

 

خامنئي قال في تحذيره الواضح: «ينبغي للأمريكيين أن يعلموا أنهم إذا بدأوا حربًا، فستكون هذه المرة حربًا إقليمية»، مضيفًا: «لسنا المحرّضين، ولا نسعى لمهاجمة أي دولة. لكن الشعب الإيراني سيوجّه ضربة قوية لأي شخص يهاجمه أو يضايقه». الرسالة هنا مزدوجة: نفي نية البدء بالتصعيد، مع تلويح بردّ واسع النطاق يتجاوز الحدود الإيرانية إلى مسارح إقليمية عديدة.

 

مضيق هرمز تحت النار وخطوط حمراء أمريكية بين النووي والشارع الإيراني

 

التصعيد الكلامي يجري بالتوازي مع تحركات عسكرية ميدانية. إيران تخطط لإجراء مناورات بالذخيرة الحية، اليوم الأحد وغدًا الإثنين، في مضيق هرمز، البوابة الضيقة التي يمر عبرها خُمس تجارة النفط العالمية. القيادة المركزية الأمريكية حذّرت من أي تهديد قد يطال السفن الحربية أو الطائرات الأمريكية خلال هذه المناورات، أو أي تعطيل لحركة الملاحة التجارية، في إشارة إلى أن أي خطأ في الحسابات أو حادث محدود يمكن أن يتحول بسرعة إلى اشتباك مباشر في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

 

في الخلفية، لا تزال أصداء حرب يونيو الماضي حاضرة؛ حين خاضت إسرائيل وإيران مواجهة عسكرية استمرت 12 يومًا، شاركت فيها الولايات المتحدة بقصف ثلاثة مواقع نووية إيرانية، قالت إنها «لردع طهران عن تطوير برنامجها النووي». إيران ردت وقتها بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، قبل أن يتدخل ترامب لإعلان إنهاء الحرب باتفاق، دون أن يعني ذلك نهاية المواجهة الاستراتيجية.

 

اليوم، يرسم ترامب لنفسه خطين أحمرين للعمل العسكري ضد إيران: قتل المتظاهرين السلميين، أو تنفيذ إعدامات جماعية للمعتقلين. وفي الوقت ذاته، يعود إلى تصعيد الحديث عن البرنامج النووي الإيراني، المعلّق على حبال مفاوضات سابقة أجرتها واشنطن مع طهران قبل حرب يونيو. هذا المزج بين «حماية حقوق الإنسان» و«ردع النووي» يمنح الإدارة الأمريكية مساحة للمناورة: تبرير أي ضربة مستقبلية باعتبارها ردًّا على قمع داخلي أو تهديد نووي أو كليهما معًا.

 

على الجانب الإيراني، يردّ النظام بتوسيع دائرة التصعيد السياسي. رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أعلن أن طهران باتت تعتبر «جميع جيوش الاتحاد الأوروبي جماعات إرهابية»، وذلك بعد قرار أوروبي بتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية بسبب «قمعه الدموي للاحتجاجات». قاليباف، وهو قائد سابق في الحرس الثوري، اتهم الأوروبيين بأنهم «أطلقوا النار على أقدامهم» بمحاولة ضرب القوة التي – من وجهة نظره – وقفت سداً أمام انتشار الإرهاب إلى أوروبا.

 

لهجة ترامب المزدوجة: «أسطول في البحر» و«أمل في اتفاق مقبول»

 

رغم كل هذا التصعيد، يحاول ترامب في العلن أن يرسم لنفسه صورة من يوازن بين العصا والجزرة. ففي تصريحاته أمس السبت، قال إنه يعتقد أن إيران «تتفاوض بجدية» مع الولايات المتحدة، وأنه يأمل في التوصل إلى «اتفاق مقبول». لكن عندما سُئل على متن طائرة الرئاسة عن قراره بشأن توجيه ضربة لإيران، قال: «بالتأكيد لا أستطيع أن أخبرك بذلك»، في جملة تحمل قدرًا من الغموض المقصود، وتُستخدم عادة كأداة ضغط نفسية وسياسية.

 

ثم أضاف ما يكشف الوجه الآخر لخطابه: «لدينا سفن كبيرة وقوية جدًا تتجه في ذلك الاتجاه. آمل أن يتفاوضوا على شيء مقبول». هنا يربط الرئيس الأمريكي بين الحشد العسكري في البحر وخيار التفاوض، في رسالة واضحة لطهران: المفاوضات تجري تحت ظل الأسطول لا على طاولة متكافئة.

 

بهذا المعنى، يبدو المشهد كالتالي: إيران تلوّح بحرب إقليمية إن تعرضت لهجوم أمريكي، وتوسّع دائرة «العدو» لتشمل جيوش الاتحاد الأوروبي بعد تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية. الولايات المتحدة، من جانبها، تضع خطوطًا حمراء تتعلق بالقمع الداخلي والنووي، وتُبقي أسلحتها متمركزة في بحر العرب ومضيق هرمز، مع خطاب رسمي يتحدث عن «أمل في اتفاق». وبين هذه وتلك، يقف الشرق الأوسط كله على حافة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث يمكن لشرارة واحدة – خطأ في المناورات، اشتباك محدود في الخليج، أو قرار متسرع في طهران أو واشنطن – أن تدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع، تتجاوز إطار «حرب يونيو» العابرة إلى صراع مفتوح قد يغيّر موازين القوى لسنوات طويلة قادمة.