رغم كل ما تروّجه حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي عن "تحسن الإيرادات" و"زيادة الحصيلة الضريبية"، تكشف أرقام النصف الأول من العام المالي الجاري وجهًا مختلفًا تمامًا: إيرادات عامة ترتفع، لكن عجزًا كليًا يتسع ليصل إلى نحو 881.7 مليار جنيه، بما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ4% في الفترة نفسها من العام الماضي.
إيرادات تقترب من 1.38 تريليون جنيه، في مقابل مصروفات تنفجر إلى حوالي 2.235 تريليون جنيه. النتيجة واضحة وبسيطة: فجوة تتسع، دين يتضخم، وخدمة دين تلتهم الموازنة، بينما يقال للمواطن إن "الدولة تعمل بكل طاقتها من أجل تحسين مستوى المعيشة".
هذا ليس عجزًا ماليًا عابرًا، بل عنوان لأزمة هيكلية تراكمت لسنوات بفعل غياب الأولويات، وسوء توجيه الإنفاق، واعتماد مَرَضي على الاقتراض والضرائب، بدل بناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد موارد حقيقية.
عجز يتضخم ودين ينهش الموازنة: استثمار في الفوائد لا في المستقبل
اتساع العجز الكلي لا يبقى رقمًا على ورق؛ هو في الحقيقة بوابة مفتوحة لمزيد من الديون، ومع كل دفعة اقتراض جديدة تتضخم فاتورة الفوائد، وينكمش ما تبقى للإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات التي تمس حياة الناس.
الدكتور أحمد الجارحي، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، يلخص هذه الحلقة الجهنمية بوضوح حين يقول إن استمرار العجز بهذا المستوى "يدفع الدولة إلى مزيد من الاقتراض، وبالتالي ترتفع فوائد الدين، وهو ما يقلل تدريجيًا من قدرة الحكومة على الإنفاق التنموي والاستثماري." كلامه يضع الأصبع على الجرح الحقيقي: نحن لا نقترض لنستثمر في مشروع إنتاجي يعظّم العائد، بل نقترض في كثير من الأحيان لسد عجز سابق، أو لخدمة دين قديم، أو لتمويل إنفاق جارٍ لا يخلق قيمة مضافة حقيقية.
الجارحي يشير أيضًا إلى عامل خارجي يزيد الصورة قتامة: ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، والذي يرفع تلقائيًا تكلفة الاقتراض الخارجي والداخلي معًا. في ظل هذه الظروف، يصبح الإصرار على مواصلة نفس النهج المالي أشبه بالانتحار البطيء؛ فكل نقطة زيادة في العجز تتحول إلى سلسلة متوالية من فوائد جديدة تلتهم ما تبقى من قدرة الدولة على الحركة.
في المقابل، تحاول الحكومة تسويق ارتفاع الإيرادات – خصوصًا الضريبية – كدليل على نجاح السياسات المالية. لكن الأرقام نفسها تكشف أن هذه الزيادة لم تُستخدم في تخفيض العجز أو تقليل الاقتراض، بل جرى ابتلاعها بالكامل داخل ماكينة مصروفات تتضخم بلا تحفظ، جزء كبير منها يذهب إلى بندين لا ينتجان شيئًا للمستقبل: خدمة الدين، والأجور والجهاز الإداري المتضخم دون إصلاح حقيقي.
الدكتور ياسر عمر، خبير السياسات المالية، يضع الأمر في سياقه الصحيح حين يؤكد أن "النمو في المصروفات لا يتناسب مع معدلات النمو الاقتصادي، ولذلك يتحول العجز إلى أزمة هيكلية وليست ظرفية." بمعنى آخر: ليست المشكلة في سنة أو اثنتين من الضغوط، بل في نمط إنفاق قائم على التوسع غير المنضبط، والمشروعات ذات العائد المشكوك فيه، وغياب مراجعة جادة لأولويات الدولة.
في هذه المعادلة، يتحول المواطن من مُستفيد مفترض من الإنفاق الحكومي إلى ضحية مزدوجة:
من ناحية، لا يلمس تحسنًا حقيقيًا في الخدمات العامة لأنه محاصر بين عجز متفاقم ودين متضخم.
ومن ناحية أخرى، يُستدعى دائمًا كـ"ممول اضطراري" لسد الفجوة عبر مزيد من الضرائب والرسوم ورفع أسعار السلع والخدمات.
عندما يصبح المواطن "مموّل العجز": ضرائب أعلى، خدمات أضعف، وضغط معيشي بلا سقف
العجز المالي لا يبقى محصورًا في تقارير وزارة المالية، بل ينعكس مباشرة على حياة الناس اليومية. مع كل اتساع في الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، تجد الحكومة نفسها أمام خيارين كلاهما مرّ: إما الاقتراض أكثر، أو تحميل المجتمع مزيدًا من الأعباء، وغالبًا ما تختار المزج بين الاثنين.
الدكتورة هالة نوح، خبيرة الاقتصاد الاجتماعي، توضح ببساطة أثر هذا النمط حين تقول: "كلما زاد العجز، تقلص الإنفاق الاجتماعي، لأن الحكومة تضطر لتوجيه جزء أكبر من الموارد لسداد الديون، وهو ما ينعكس على دعم السلع والخدمات الأساسية." هذا يعني أن المواطن يرى في الواقع تراجعًا في دعم الغذاء، أو ارتفاعًا في فواتير الكهرباء والمياه والنقل، وتدهورًا في جودة المستشفيات والمدارس الحكومية، لأن الدولة باتت أسيرة بند خدمة الدين.
في الوقت نفسه، تعتمد الحكومة بشكل متزايد على الضرائب – خصوصًا غير المباشرة – لسد فجوة الموازنة. هذه الضرائب لا تفرّق بين غني وفقير، بل تُفرض على استهلاك الجميع، من ضريبة القيمة المضافة إلى الرسوم على الخدمات والجمارك والرسوم الجديدة على كل معاملة تقريبًا. ومع التضخم المرتفع وتآكل الأجور الحقيقية، يتحول كل جنيه إضافي تُجبيه الدولة إلى ضغط إضافي على القوة الشرائية للأسر.
الدكتورة منى عبد الرحمن، مستشارة السياسات الاجتماعية، تصف هذه المعادلة بدقة حين تقول إن "العجز المرتفع يضع الحكومة أمام خيارين كلاهما صعب: إما تقليل الإنفاق الاجتماعي أو زيادة الضرائب، وفي الحالتين يتحمل المواطن العبء الأكبر." هذه ليست مجرد صياغة نظرية، بل واقع يُترجم إلى أسعار أعلى، وخدمات أضعف، وأمان اجتماعي يتآكل يومًا بعد يوم.
والنتيجة الطبيعية لهذه السياسات – كما تحذر منى عبد الرحمن – هي "اتساع الفجوة الاجتماعية وزيادة الضغوط المعيشية على الطبقة المتوسطة." ففي بلد يعاني أصلًا من تفاوت طبقي حاد، يصبح العجز المالي المزمن وقودًا إضافيًا لتغذية الإحساس بالظلم: دولة تُصرّ على استمرار نمط إنفاقها، ومشروعاتها الضخمة، وسياستها في خدمة الدين، ثم تطلب من المواطن أن يدفع الفاتورة في شكل ضرائب متزايدة وتضخم لا يرحم.
الخلاصة أن عجز 4.2% من الناتج في نصف عام – مع دين عام يضغط بقوة على الموازنة – لا يمكن التعامل معه كرقم عابر في بيان رسمي، بل كجرس إنذار على أن النموذج المالي والاقتصادي الحالي وصل حدوده القصوى. ما لم تُعد الدولة النظر جذريًا في أولويات إنفاقها، وتكف عن الاعتماد المرضي على الاقتراض والضرائب، فإن كل زيادة في الإيرادات لن تكون سوى وقود جديد لمحرك عجز ودَين لا يتوقف، يدور كما لو كان ماكينة طحن مستمرة، أول من يسقط تحتها هو المواطن العادي.

