أعادت واقعة انتشار فيديو لفتاة ترتدي زي التمريض وتلتقط “سيلفي” بجوار جثمان داخل مكان يشبه ثلاجة حفظ الموتى، الجدل مجددًا حول الصورة الدرامية لمهنة التمريض في مصر، وسط موجة غضب عارمة على مواقع التواصل، ورفض حاسم من نقابة التمريض التي رأت في المشهد “إساءة صريحة لمهنة إنسانية نبيلة”، ولو تم تقديمه على أنه جزء من عمل فني أو دعاية لمسلسل جديد.
نقيب التمريض، الدكتورة كوثر محمود، خرجت لتعلن موقفًا صارمًا من الواقعة، وتطالب باعتذار رسمي، وضوابط مشددة لاستخدام الزي الطبي في الدراما.
إساءة لا يبررها “التمثيل”.. التمريض مهنة رحمة لا أداة للإثارة
كوثر محمود، نقيب عام التمريض، شددت في تصريحات وبيانات متطابقة على الرفض القاطع لأي إساءة أو تشويه للصورة الذهنية لمهنة التمريض، سواء عبر منصات التواصل أو عبر الأعمال الدرامية.
وأوضحت أن الفيديو المتداول – لفتاة بزي التمريض تلتقط “سيلفي” بجوار جثمان داخل ثلاجة موتى وتستخدم أسلوبًا ساخرًا – يمثل نموذجًا خطيرًا لتكريس صورة سلبية ومهينة لمهنة أساسها الرحمة واحترام كرامة الإنسان حيًا وميتًا.
النقابة رأت أن استخدام زي التمريض في سياق ساخر أو غير إنساني “مرفوض تمامًا”، حتى لو كان المشهد جزءًا من عمل تمثيلي، مشيرة إلى أن التمريض ليس مادة لـ“التريند” أو الإثارة الرخيصة، بل مهنة تتحمل ضغوطًا نفسية وجسدية كبيرة، وتعمل في أصعب الظروف داخل أقسام الطوارئ والرعاية المركزة وغرف العمليات.
التعليقات الغاضبة على مواقع التواصل عززت موقف النقابة؛ آلاف المستخدمين اعتبروا أن المشهد يتجاوز حرية الإبداع إلى انتهاك حرمة الموتى وإهانة مهنة تُشكّل عماد المنظومة الصحية، وطالبوا بمحاسبة صاحبة الفيديو، والكشف عن مكان تصويره، خاصة بعد تداول أنباء عن أنه جزء من مشهد درامي تم تصويره للترويج لمسلسل جديد.
في المقابل، سارع مصدر بوزارة الصحة إلى التأكيد أن الفيديو لم يُصوَّر داخل منشأة تابعة للوزارة، وأن الزي المستخدم لا يطابق الزي الرسمي للأطقم الطبية فيها، في محاولة لنفي أي صلة بين الواقعة والمستشفيات الحكومية، مع التشديد على أن ثلاجات حفظ الموتى تخضع لإجراءات صارمة ولا يُسمح بدخول غير المختصين إليها.
“تحت الحصار” تحت الضغط.. النقابة تطالب باعتذار وضوابط للدراما
الجزء الأكثر إثارة للجدل تمثّل في تبرير الواقعة باعتبارها مشهدًا تمثيليًا من مسلسل “تحت الحصار” المقرر عرضه في موسم دراما رمضان 2026، وهو ما أثار غضب نقيب التمريض، التي قالت إن النقابة فوجئت بهذا التبرير، مؤكدة أن “الزي الطبي ليس أداة دعائية أو مادة للإثارة”، وأن استخدام مهنة التمريض في سياق يهين الكرامة الإنسانية “مرفوض شكلًا وموضوعًا”.
كوثر محمود طالبت صُنّاع المسلسل بتقديم توضيح رسمي للرأي العام، مع اعتذار صريح لمهنة التمريض، وإزالة كل المقاطع المسيئة من منصات التواصل، مشددة على أن احترام المهن الطبية واجب وطني وأخلاقي، لا يمكن التذرع بالفن أو التسويق لتجاوزه.
كما لوّحت باتخاذ “كافة الإجراءات القانونية والمهنية” لحماية المهنة ومنع تكرار الواقعة.
النقابة استغاثت كذلك برئيس الجمهورية، مطالِبة بوضع ضوابط واضحة لاستخدام المهن الطبية في الأعمال الفنية، من حيث شكل الزي، وطبيعة المشاهد، وحدود السخرية، بما يحفظ كرامة الأطقم الطبية والتمريضية، ويمنع تحويل المهنة إلى مادة للتهكم أو التشويه المتكرر على الشاشة.
وأكدت أن الصورة السلبية التي ترسخها بعض الأعمال الدرامية تؤثر على ثقة المجتمع بالممرضين، وتفاقم أزمة النظرة الاجتماعية لمهنة تحتاج إلى مزيد من الدعم المعنوي لا مزيد من التنمر.
في خلاصة المشهد، تحاول نقابة التمريض استثمار الغضب الشعبي لتحويل الواقعة من مجرد “فيديو مسيء” إلى نقطة انطلاق لحوار أوسع حول مسؤولية الدراما والإعلام تجاه المهن الإنسانية، وحدود ما يمكن أن يُقدَّم باسم “الكوميديا” أو “التشويق”.
وبينما ينتظر الرأي العام رد صُنّاع “تحت الحصار”، يبدو أن رسالة التمريض وصلت بوضوح: كرامة المهنة ليست مجالًا للابتذال، والزي الأبيض ليس إكسسوارًا للترفيه، بل رمز لثقة الناس في من يقف إلى جوارهم في أشد لحظات الضعف والمرض.

