قفزت الإيرادات الضريبية في مصر خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 بنسبة 32% لتصل إلى نحو 1.2 تريليون جنيه، تمثل 87.2% من إجمالي الإيرادات العامة، وفق التقرير الشهري لوزارة المالية. لكن الرقم الذي يمرّر بهدوء في السطر التالي أخطر بكثير: نحو 91.5% من كل الإيرادات العامة تذهب لسداد فوائد الديون فقط، ما يعني أن المواطن يدفع ضرائب ثقيلة ليبقي ماكينة الاستدانة تعمل، لا ليحصل على تعليم وصحة ونقل كريم.

 

في خطاب رسمي تتحدث الحكومة عن «تحسن في كفاءة التحصيل» و«توسيع القاعدة الضريبية» و«عدم فرض أعباء جديدة»، لكن قراءة الأرقام في ضوء أزمة الديون، وآراء خبراء الاقتصاد، تكشف صورة مغايرة: دولة أصبحت تعتمد شبه كليًّا على الجباية من مجتمع يزداد فقرًا، لتمويل خدمة دين متضخم، مع تراجع شِبه كامل لدور الإيرادات غير الضريبية والإنتاج الحقيقي.

 

1.2 تريليون من جيوب الناس.. إلى خزينة ديون لا تتوقف

 

التقرير الشهري لوزارة المالية يقدّم أرقامًا تبدو في ظاهرها قصة «نجاح مالي»:

 

•  ارتفاع الإيرادات الضريبية إلى 1.2 تريليون جنيه في 6 أشهر بنمو 32%.

 

•  مساهمة الضرائب بـ 87.2% من إجمالي الإيرادات العامة، مقابل 12.8% فقط للإيرادات غير الضريبية.

 

لكن تقريرًا آخر صادر عن نفس الوزارة يقول إن إجمالي الإيرادات بلغ 1.38 تريليون جنيه، بينما قفزت مدفوعات الفوائد إلى 1.26 تريليون جنيه، أي أن 91.5% من كل ما تحصّله الدولة، ضريبيًّا وغير ضريبي، يذهب لفوائد الديون وحدها.

 

الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح تصف هذا النمط في تحليل سابق لأزمة الديون بأنه «حلقة مميتة»؛ إذ تُظهر البيانات التي استندت إليها أن خدمة الدين تجاوزت في سنوات سابقة 100% من الإيرادات العامة، ما يعني أن الدولة تقترض لتسدّد القديم وتواصل الإنفاق الجاري، مع بيع أصول سيادية لتعويض العجز.

 

في هذا السياق، تصبح الطفرة الضريبية الحالية – كما ترى صلاح – ليست أداة تنمية، بل أنبوب أوكسجين لنظام غارق في الديون، يمتص ما يستطيع من السيولة داخل الاقتصاد المحلي ليستمر يومًا آخر، بينما يظل الاستثمار والإنتاج في الخلفية.

 

عمليًّا، يصبح السؤال البسيط للمواطن:

 

إذا كانت الضرائب تمثل 87% من الإيرادات، و91.5% من الإيرادات تذهب للفوائد، فكم يتبقى فعليًّا للصحة والتعليم والنقل والدعم والخدمات؟

 

ضرائب تتمدّد أفقيًّا على الفقراء والطبقة المتوسطة

 

الحكومة تروّج لخطاب «توسيع القاعدة الضريبية» و«تحسين العلاقة مع مجتمع الأعمال» و«ميكنة المنظومة». لكن تفاصيل التركيب تكشف أن العبء الأكبر يقع على المواطنين عبر الضرائب غير المباشرة (القيمة المضافة، الرسوم، الضرائب على الاستهلاك)، لا على الثروة الكبيرة أو الأرباح الرأسمالية.

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق حذّر في أكثر من مناسبة من طبيعة الزيادة الضريبية في الموازنات الأخيرة، مشيرًا إلى أن التوسع يتم أفقيًّا على حساب الطبقة المتوسطة والفقيرة من خلال الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات الأساسية، بينما تظل أدوات العدالة الضريبية الحقيقية – مثل ضريبة الثروة، والضريبة الفعلية على الأرباح الرأسمالية الكبيرة – شبه معطّلة أو مطبقة بشكل محدود لا يغيّر الصورة.

 

ويرى توفيق أن تحويل كل أزمة مالية إلى فرصة لزيادة الجباية، بدلًا من مراجعة بنية الإنفاق الحكومي والمشروعات غير المنتِجة، يرسّخ نموذج «دولة جابي الضرائب» التي تلاحق النشاط الاقتصادي المنظم، بينما تترك جزءًا كبيرًا من الاقتصاد غير الرسمي خارج المنظومة، أو تطارده بقرارات بيروقراطية ورسوم تعمّق عطالة السوق. وقد سبق أن نبّه إلى خطورة القوانين والرسوم المتراكمة التي تعرقل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، محذرًا من «غضب العاطلين والجوعى» في مناخ اقتصادي خانق.

 

في النهاية، المواطن الذي يشتري سلعة خاضعة للقيمة المضافة، أو يدفع رسومًا حكومية «مقنّعة»، أو يتحمل زيادات متتالية في أسعار الخدمات العامة، هو من يمول هذه الزيادة في الحصيلة، من دخله المتآكل، في ظل تضخم وغلاء وتآكل في الأجور الحقيقية.

 

ضرائب بلا تمثيل ولا شفافية.. من يمسك بمفاتيح الإنفاق؟

 

إلى جانب الاختلال الاقتصادي، تطرح الطفرة الضريبية في غياب شفافية سياسية سؤالًا كلاسيكيًا: «ضرائب بلا تمثيل».

 

السياسي والبرلماني السابق د. ثروت نافع يؤكد في أكثر من موقف أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي – سواء في ملف الاستثمار الأجنبي أو بيع الأصول أو إدارة الموازنة – يستحيل أن ينجح دون «مناخ سياسي صحي» يضمن الرقابة الشعبية والبرلمانية على موارد الدولة وأوجه إنفاقها.

 

نافع كان قد انتقد من قبل طريقة إدارة الموازنة ومنح امتيازات واسعة لمؤسسات الدولة العميقة، معتبرًا أن النظام يعتمد عليها في إدارة البلاد مقابل مزايا متعددة، في الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن تحمّل مزيد من الأعباء تحت لافتة «الإصلاح المالي».

 

في ظل هذا الترتيب، تتحول الضرائب – من وجهة نظره – إلى «تفويض مالي على بياض»، تُحصّل من ملايين المواطنين لصالح منظومة لا تسمح بمساءلة حقيقية ولا بنقاش عمومي حول الأولويات:
•  هل أولوية الإنفاق هي التعليم والصحة أم مشروعات البذخ والعاصمة والمدن الجديدة؟

 

•  هل تُستخدم حصيلة الضرائب لتوسيع قاعدة الإنتاج وفرص العمل، أم لتثبيت شبكة مصالح مغلقة؟

 

من زاوية أخرى، تشير د. سالي صلاح إلى أن استمرار الاعتماد على الضرائب المرتفعة في ظل هذا الهيكل من الديون وبيع الأصول يضع مصر في «مسار تفريط في الأصول مقابل الحفاظ على نمط إنفاق غير مستدام»، وتعتبر أن الخروج من الحلقة المميتة لا يكون عبر مزيد من الجباية أو القروض، بل عبر تغيير جذري في نموذج إدارة الاقتصاد والسلطة معًا.

 

في المحصلة، الأرقام الرسمية نفسها تقول إن الدولة أصبحت أكثر جوعًا لضرائب مواطنيها، لكن هؤلاء المواطنين لا يرون انعكاسًا حقيقيًا لهذا النزيف في جودة خدماتهم أو في تخفيف أعباء حياتهم اليومية.
ومع كل تقرير مالي جديد يتفاخر بارتفاع الحصيلة، يبقى السؤال معلّقًا:

 

هل تبني الضرائب دولة عادلة منتِجة، أم تحمي فقط نظامًا مثقلاً بالديون، يُعيد تدوير أزماته على حساب جيوب الناس وحياتهم؟