أثارت مشاجرة وقعت داخل موقع محطة الضبعة النووية غرب مصر، بين عدد من المهندسين وبعض عمال الموقع، جدلًا كبيرًا بعد تداول أنباء تفيد بأن سبب الخلاف كان تناول بعض المهندسين لوجبات مخصصة للعمال.
ورغم أن الواقعة تبدو في ظاهرها مجرد مشكلة “كانتينية” أو سوء تنظيم في توزيع الطعام، فإن خطورتها الحقيقية تكمن في أنها تحدث داخل واحد من أكثر المشاريع الاستراتيجية حساسية في مصر، وفي بيئة يُفترض أن يسودها أعلى درجات الانضباط والعدالة والاحترام المتبادل بين جميع الفئات. هذه الحادثة تفتح الباب للتساؤل حول ظروف العمل، وعدالة المعاملة، وآليات إدارة الموارد داخل مشروع بهذا الحجم.
تفاصيل المشاجرة وشرارة اندلاعها
وفق ما تم تداوله في روايات العاملين، بدأت الأزمة حين فوجئ عدد من العمال بنفاد الوجبات المخصصة لهم في استراحة العمل، ليتبيّن لاحقًا – بحسب شهاداتهم – أن بعض المهندسين والإداريين تناولوا جزءًا من هذه الوجبات، رغم أن لكل فئة نصيبًا محددًا في قوائم التغذية اليومية.
تطور الموقف من تذمر همسًا داخل صفوف العمال إلى اعتراضات صريحة، ثم مشادة كلامية حادة مع بعض المهندسين المسؤولين عن الإشراف على الموقع، ليتحول الأمر إلى مشاجرة، تدخل فيها زملاء من الجانبين وطاقم الأمن الإداري لاحتواء الموقف قبل أن يتفاقم.
ورغم عدم الإعلان رسميًا عن تفاصيل دقيقة للواقعة، فإن جوهر المشكلة – كما يروي من كانوا في الموقع – يدور حول شعور العمال بالإهانة والتهميش، إذ رأى كثيرون أن ما حدث ليس مجرد خطأ في توزيع الطعام، بل رسالة ضمنية بأن حقوق العمال “أقل قيمة” ويمكن تجاوزها لصالح الفئات الأعلى وظيفيًا.
ما وراء الوجبة… شعور بالتمييز وغياب العدالة
تكشف هذه الحادثة عن أزمة أعمق تتجاوز قضية الطعام نفسها، لتصل إلى ملف العدالة في بيئة العمل. ففي المشروعات الكبرى، خاصة تلك التي تعتمد على تماسك فريق العمل مثل المحطات النووية، يصبح الإحساس بالمساواة والاحترام أمرًا حاسمًا في الحفاظ على الانضباط.
العمال – الذين يتحملون مشاق العمل الشاق في الموقع – ينظرون إلى وجبة الطعام اليومية بوصفها حقًا بسيطًا لكنه أساسي، يعكس تقدير الإدارة لجهودهم. وعندما يشعر العامل أن حقه البديهي في الوجبة يُسلب لصالح مهندس أو مسؤول أعلى درجة، فإن ذلك يرسخ شعورًا بالظلم الطبقي داخل الموقع.
من جانب آخر، يحمّل البعض إدارة الموقع مسؤولية ما حدث، سواء بسبب سوء تنظيم في التعاقد مع شركات التغذية، أو لعدم وجود نظام واضح وصارم يضمن توزيع الوجبات بعدالة وشفافية، ويمنع أي فئة من الاستيلاء على حقوق غيرها. مثل هذه التفاصيل الصغيرة، إن تُركت من دون ضوابط، تتحول إلى بؤر غضب مكتوم تنفجر عند أول احتكاك.
محطة نووية تحتاج إلى انضباط لا إلى مشاحنات
محطة الضبعة النووية ليست مشروعًا عاديًا؛ فهي منشأة ذات طبيعة حساسة، تتطلب أعلى درجات الانضباط والالتزام والروح الجماعية. أي توتر داخل فريق العمل – حتى لو بدا بسيطًا – قد يؤثر على بيئة السلامة العامة داخل المشروع، ويخلق أجواء من الشك والاحتقان بين الفئات المختلفة.
وجود مشاجرات داخل موقع بهذا المستوى يطرح أسئلة عن كفاءة الإدارة في التعامل مع شؤون العاملين، وعن برامج التدريب النفسي والإداري التي يفترض أن تُقدَّم لكل من يعمل في هذا القطاع، من مهندسين وفنيين وعمال. فمن غير المقبول أن يكون هناك مشروع نووي يضم آلاف العاملين، بينما تُترك مسائل حساسة مثل التغذية والراحة والتواصل الإنساني بلا نظام صارم ولا آليات إنصاف سريعة.
الحل لا يكون فقط بتهدئة الأطراف بعد كل حادثة، بل بوضع منظومة واضحة لحقوق وواجبات الجميع، وتوفير قنوات شكوى حقيقية تسمح للعمال بالتعبير عن مظالمهم دون خوف، مع محاسبة أي تجاوز مهما كان موقعه الوظيفي. كما أن ترسيخ ثقافة احترام العامل وعدم التمييز بين “مهندس” و“عامل” في الحقوق الإنسانية الأساسية، أمر لا يقل أهمية عن تأمين المفاعل نفسه.
إن حادثة المشاجرة داخل محطة الضبعة بسبب وجبات الطعام قد يراها البعض تفصيلًا هامشيًا، لكنها في الحقيقة جرس إنذار مبكر يكشف عن خلل في إدارة الموارد البشرية داخل مشروع استراتيجي بالغ الحساسية.
فالمحطة النووية لا تحتاج فقط إلى أحدث التقنيات والمعايير الفنية، بل تحتاج قبل ذلك إلى مناخ عمل عادل، يضمن احترام حقوق كل فرد، ويمنع تحول “وجبة” صغيرة إلى شرارة غضب تهز صورة المشروع كله.
وفي بلد يمر بأزمات اقتصادية واجتماعية حادة، يصبح احترام العامل البسيط، ووجبة طعامه، جزءًا من احترام الإنسان ذاته، وجزءًا من أي حديث جاد عن التنمية والأمن والعدالة.

