أن تُمنَع امرأة مصرية دون الأربعين من حجز غرفة في فندق بمفردها، فالمسألة لا تُقاس فقط بمعيار «حقوق المرأة» كما تطرحه نهاد أبو القمصان، ولا تُحل أيضًا بتسليم أعمى للأعراف الاجتماعية، بل هي قبل ذلك وبعده سؤال عن كيف نفهم الشريعة الإسلامية في واقعنا: شريعة جعلت المرأة مكلفة راشدة، تحفظ لها كرامتها وحريتها، وفي الوقت نفسه تضبط حركة المجتمع بقيم العفة وصيانة الأعراض ودرء الفتنة.

 

نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، أثارت نقاشًا حول منع بعض الفنادق للنساء غير المتزوجات من الإقامة منفردات. ولها في ذلك كلام يُوافق الشريعة في جانب، ويصطدم بها في جانب آخر. فهي مُصيبة حين ترفض إهانة النساء أو معاملتهن كقُصَّر قانونيًا، لكنها تتورط أحيانًا في خطاب يقدّم الحرية الفردية بمنطق غربي خالص، منفصل عن ضوابط الدين وهوية المجتمع، وكأن الجسد والزمان والمكان شأن خاص لا علاقة له بمقاصد الشريعة ولا بأثر السلوك في الأخلاق العامة.

 

كرامة المرأة بين نص الشريعة وواقع الفنادق

 

الشريعة الإسلامية قررت بوضوح أن المرأة مكلَّفة راشدة: لها ذمة مالية مستقلة، تعقد وتشتري وتبيع وتسافر، وتبايع وتشارك في الشأن العام، قال تعالى: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ» والخطاب هنا للذكور والإناث على السواء.

 

من هذه الزاوية، يكون ما تلفت إليه أبو القمصان صحيحًا في أصل الفكرة: لا يجوز قانونًا ولا شرعًا أن يُعامَل عموم النساء على أنهن قاصرات، ولا أن يُسأل عن أصل حقهن في السفر أو الإقامة أو التنقل، ما دام الأمر في ذاته مباحًا، ولا توجد قرينة على الفساد أو الجريمة. تحويل المرأة إلى موضع اشتباه لمجرد أنها «بمفردها» ظلم لا سند له من الشريعة.

 

لكن في الوقت نفسه، الشريعة لا ترى حياة الإنسان «فراغًا خاصًا» لا يعني إلا صاحبه، بل تربط السلوك الفردي بالأثر العام. فالاختلاط غير المنضبط، والخلوات المحرمة، واستغلال الأماكن المغلقة في الفساد، كل ذلك منهيّ عنه بنصوص صريحة. هنا يأتي دور القوانين واللوائح التي تنظم العمل في الفنادق وغيرها، بحيث تمنع المنكرات وتسد أبواب الفساد، دون أن تُهين الناس أو تعتدي على أصل حقوقهم.

 

إشكال كثير من الفنادق اليوم أنها لا ترجع إلى ضوابط شرعية واضحة، ولا إلى قانون منضبط، بل إلى حالة من الخوف والارتباك: موظف أو إدارة تتصور أن الاحتياط للدنيا والسمعة يكون بتعليق لافتة عامة: «ممنوع إقامة السيدة وحدها»، كأن كل امرأة مشروع خطيئة حتى تُثبت العكس. هذا ليس من الدين، بل من الوصاية الجائرة وسوء الظن العام.

 

بين إفراط «التحرر» وتفريط «التشدد»: أعراف تخنق المرأة ولا تحمي المجتمع

 

من حق نهاد أبو القمصان أن تحتج على ممارسات مهينة؛ من حقها أن تقول إن موظف الفندق أو ضابط القسم ليس وليًا على المرأة يفتش في نواياها. لكن الإشكال حين يتحول هذا الاحتجاج إلى خطاب يُلمِّح بأن أي ضابط أخلاقي هو بالضرورة قمع، وأن المجتمع كلما تمسّك بقيم الحياء والستر صار «ذكوريًا» و«قمعيًا». هنا يقع الإفراط المقابل.

 

الإسلام لا يقبل أن تُختزل المرأة في «جسد حرّ يتصرف كما يشاء»، ولا أن ينفصل الحديث عن الحقوق عن الحديث عن التكليف والتقوى وضبط السلوك. فكما يرفض الشريعة أن تُمنَع امرأة لمجرد سنّها أو حالتها الاجتماعية، ترفض أيضًا أن تُفتح أبواب الفنادق بلا أي ضابط، وتُترك الخلوات المحرمة، ويُرفع شعار «حريتها» لتبرير ما يُفسد المجتمع كله.

 

المطلوب إذن ليس ما تطرحه بعض الخطابات الحقوقية من تحرير كامل عن مرجعية الدين، ولا ما تفرضه بعض العادات من حجر كامل على النساء؛ المطلوب أن نرجع إلى فقه الموازنات الشرعية:

 

- لا يجوز تعميم الشبهة على كل امرأة بمفردها.

 

- ولا يجوز في المقابل أن تُلغى كل الاحتياطات الشرعية، فتُستغل الأماكن المغلقة في الفساد.

 

بدل أن يتحول الفندق إلى «لجنة آداب» تحاكم النوايا، أو إلى «منطقة حرة» لا تعرف حلالًا ولا حرامًا، ينبغي أن تُضبط اللوائح وفق قواعد واضحة: منع الخلوة المحرمة، التحقق من الهوية، احترام خصوصية العميل، مع ترك ما في القلوب لله عز وجل.

 

بين شعارات «تمكين المرأة» وحقيقة تكريمها في الشريعة

 

النائبة أميرة صابر وغيرها تحدثوا عن أن الدستور والقانون يجرّمان التمييز ويضمنان المساواة بين المواطنين. هذا في أصله كلام لا يخالف الشريعة؛ فالإسلام قرر مبدأ الكرامة الإنسانية للرجال والنساء جميعًا: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»

 

لكن ما يتكرر في الخطاب الرسمي والحقوقي هو سؤال من نوع: «هل المجتمع جاهز لكي تعيش المرأة وحدها وتسافر وحدها وتقيم وحدها بلا أي قيد؟»

 

السؤال بهذا الشكل ملغوم؛ لأنه يفترض أن الخيارين هما:

 

- إما تمكين بلا ضوابط شرعية،

 

- أو وصاية اجتماعية خانقة.

 

الحقيقة أن الشريعة سبقت كل هذه النقاشات حين جعلت المرأة مكرَّمة، لها حق التملك والعمل والتصرف، وفي الوقت ذاته وضعت لها وللرجل معًا حدود الحلال والحرام في العلاقات، وغرسَت في المجتمع قيمة الغيرة بضابط، لا غيرة مرضية تشهر السلاح في وجه كل امرأة حرة، ولا تسيّبًا يرفع شعار الحقوق ليبرر الفاحشة.

 

من حق نهاد أبو القمصان أن ترفض إهانة المرأة، لكنها تخطئ حين تتجاهل أن تكريم المرأة في الإسلام ليس أن تُترك نهبًا لثقافة استهلاكية غربية تُسَوِّق الجسد، ولا أن تُحرَّر من الأسرة والمجتمع والدين في آن واحد. تكريمها أن تُحترم إنسانيتها وعقلها، وأن تُصان عفّتها، وأن تُعامَل كمكلَّفة راشدة في إطار الشريعة، لا في هوامش هوية مستوردة.

 

القضية إذن ليست مجرد «حق في غرفة فندق»، بل امتحان لصدق الدولة والنخب حين تتحدث عن «تمكين المرأة»:

 

هل المقصود تمكينها في ضوء مرجعية إسلامية تُوازن بين الحق والواجب، وبين الحرية والضابط؟

 

أم المقصود ترديد شعارات تُرضي الخارج وتجرّ المجتمع إلى تصوّر آخر للإنسان والجسد والعلاقة بين الرجل والمرأة؟

 

إن المرأة في الإسلام مكرَّمة، لا تُعامَل كطفلة ولا كسلعة. فإن وافق خطاب نهاد أبو القمصان هذا المعنى، فهو حق يقال؛ وإن دعا إلى قطيعة مع ضوابط الشريعة بحجة الحرية، فهو انحراف ينبغي أن يُردّ عليه بوضوح، حمايةً لكرامة المرأة ذاتها، وصيانةً لمجتمع لا يريد أن يختار بين تطرفين: قهر باسم التقاليد، أو تسيّب باسم الحقوق.