في اللحظات التي يختنق فيها المواطن تحت سيل لا يتوقف من الضرائب والرسوم وارتفاع الأسعار، خرج أستاذ العلوم السياسية مأمون فندي بجملة قصيرة لكنها ثقيلة المعنى: «الضرائب بدون تمثيل حقيقي وبدون رقابة هي أول وصفة للعصيان الذي يؤدي إلى الثورة». الجملة ليست مجرد تعليق عابر، بل تشخيص مكثف لوضع تبدو فيه الدولة وكأنها لا ترى في المواطن إلا “حسابًا جارياً” يُسحب منه بلا استئذان، بينما يُقصى صاحب الحساب عن أي تمثيل حقيقي أو رقابة جدية على أين تذهب أمواله.
المسألة لم تعد نقاشًا أكاديميًا عن “نظرية الدولة الريعية” أو “عقد اجتماعي في الكتب”، بل واقع يومي يلمسه الناس في فواتير الكهرباء والمياه والضرائب غير المباشرة على كل شيء: من رغيف العيش حتى كارت الشحن. في هذه الأجواء، تبدو جملة مأمون فندي أقرب إلى إنذار مبكر: استمرار الجباية بلا تمثيل ولا محاسبة لا ينتهي عادةً بـ«استقرار» كما يتوهم أصحاب السلطة، بل يفتح الباب تدريجيًا أمام عصيان صامت، ثم غضب معلن، ثم انفجار لا يمكن التكهن بشكله ولا توقيته.
ضرائب تُجبى من شعب غائب عن القرار
جوهر ما يقوله مأمون فندي هو أن الدولة حين تطلب من الناس أن يدفعوا، دون أن تسمح لهم بأن يشاركوا في القرار أو يراقبوا كيفية إنفاق ما يدفعونه، فهي عمليًا تخلع عن نفسها أهم مصادر الشرعية. الضرائب في أي دولة حديثة ليست غرامة مفروضة من طرف واحد، بل جزء من عقد اجتماعي: المواطن يدفع، لكنه في المقابل يختار من يمثله، ويراقب الموازنة، ويحاسب من يسيء إدارة المال العام.
غير أن الواقع المصري، كما تصفه الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح، يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ فالدولة توسّع من قاعدة الضرائب والرسوم بينما تقفز ديونها إلى مستويات قياسية، وتذهب نسبة متزايدة من الإيرادات لسداد خدمة الدين، لا لتحسين التعليم أو الصحة أو الخدمات الأساسية. المواطن هنا لا يمول “دولته” بقدر ما يمول حلقة ديون لا تنتهي، صُنعت بقرارات لم يستشر فيها، ولا يملك أدوات لمحاسبة من اتخذوها.
الأخطر أن كل ذلك يجري في ظل برلمان صوري لا يناقش جديًا، ولا يرفض، ولا يعطل قانونًا يرهق الناس، وإعلام يكتفي بالتسويق لخطاب “تحمّلوا من أجل مصلحة البلد”، بينما يُطالَب المصري بأن يدفع ويمسك لسانه في آن واحد. هذه المعادلة – ضرائب بلا تمثيل، وجباية بلا نقاش – هي بالضبط ما يتحدث عنه فندي حين يربط بين الجباية غير العادلة وبين العصيان الذي يقود إلى الثورة.
جباية تخنق السوق وتزيد الفقر: أين العدالة ومن يدفع الفاتورة؟
فكرة “الضرائب” نفسها ليست المشكلة؛ فما من دولة تُدار بلا موارد ولا مساهمات من مواطنيها. المشكلة في كيف تُجبى الضرائب، وعلى من تُفرَض، ولصالح من تُنفق. هنا يظهر بوضوح ما يصفه الخبراء بأنه نظام جباية غير عادل، يطارد الطبقة الوسطى والصغار، بينما يترك شبكات الامتيازات الكبرى والتهرب المنظم شبه بلا لمس.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق لم يتوقف عن التحذير من أن ما يجري الآن ليس سياسة ضريبية بقدر ما هو “حلب” قاسٍ لجيوب الملتزمين، في حين لا تبذل الدولة جهدًا حقيقيًا لسد ثقوب التهرب الضريبي أو لملاحقة أصحاب الثروات الهائلة الذين يمرّون بين القطرات بلا بلل. ضرائب على الفواتير، ورسوم على الخدمات، ورفع متكرر للأسعار الرسمية، وقرارات اقتصادية تعصف بالقوة الشرائية؛ كل ذلك يحدث في بيئة استثمارية مختنقة أصلًا، كما يذكّر عبدالمطلب عبدالنبي، الذي يرى أن إفراط السلطة في الجباية والاقتراض دمّر مناخ الاستثمار، وترك اقتصادًا يعيش على “أنابيب خارجية” من القروض والمعونات، تُسدّد هي نفسها من جيوب الناس.
هكذا تتحول الضرائب من أداة لإعادة توزيع الثروة وتحسين الخدمات، إلى سلاح يُستخدم لسد فجوات صنعتها السياسات نفسها، فتزداد الشركات الصغيرة اختناقًا، ويتآكل ما تبقى من الطبقة الوسطى، ويتسع قاع الفقر، بينما تستمر الدولة في سردية “الإصلاح”، متجاهلة أن ما يحدث على الأرض أقرب إلى استنزاف منظم لمجتمع لا يملك رفاهية الصمت إلى الأبد.
حين تفقد الجباية شرعيتها: من السخط الصامت إلى احتمال الانفجار
الأخطر من حجم الضرائب هو إحساس الناس بأنها غير شرعية أخلاقيًا؛ أنهم لا يحصلون مقابلها على تعليم محترم، ولا منظومة صحية آدمية، ولا عدالة حقيقية، ولا أمن اجتماعي، بل فقط مزيد من الملاحقات المالية والقرارات المفاجئة. د. مراد علي يلخص هذا الشعور حين يتحدث عن الضرائب الجديدة – على الاتصالات مثلاً – بوصفها “جباية فقدت مشروعيتها”، لأنها تُفرَض على مواطن لم يُستفَتَ، ولا يرى ثمرة حقيقية لما يُقتطع من دخله كل شهر، بل يرى شبكة محسوبيات ومشروعات استعراضية وديونًا تتكاثر.
في هذه اللحظة، يصبح كلام مأمون فندي عن “العصيان الذي يؤدي إلى الثورة” قراءة منطقية لمسار اجتماعي خطير: حين يشعر الناس أن الدولة لم تعد تعبر عنهم، وأن البرلمان لا يمثلهم، وأن الضرائب لا تعود إليهم في صورة خدمات أو أمان، يبدأ أول أشكال العصيان بصمت: تهرب ضريبي متزايد، رفض معنوي للالتزام، فقدان للثقة، تآكل شرعية الخطاب الرسمي. ثم تتراكم الأزمات، ويقترب المجتمع من نقطة لا تعود فيها “الصدمات الاقتصادية” مجرد أرقام، بل شرارة لغضب واسع.
الرسالة التي يرسلها فندي، وتدعمها تحذيرات د. سالي صلاح وعبدالمطلب عبدالنبي وهاني توفيق ومراد علي، واضحة:
لن تستطيع أي سلطة أن تواصل تمويل فشلها من جيوب الناس إلى ما لا نهاية.
إما أن تتحول الضرائب إلى جزء من عقد اجتماعي حقيقي، يقوم على التمثيل والرقابة والشفافية والعدالة،
أو تظل – كما هي الآن – وقودًا بطيئًا يملأ تحت الأرض خزانًا هائلًا من السخط… لا أحد يعرف متى سينفجر، لكن كل زيادة جديدة بلا تمثيل حقيقي تقرّب لحظة الانفجار أكثر.

