تشهد الأسواق الزراعية في مصر موجة غلاء حادة في أسعار المبيدات، خاصة مبيدات حشائش القمح، حتى صار لتر الجليفوسات يقفز من حدود 200 جنيه في الصيف الماضي إلى نحو 500 جنيه حاليًا.

 

هذا الانفجار في الأسعار لا يحدث في فراغ؛ بل يأتي فوق ارتفاعات مجنونة في الأسمدة والوقود وباقي مدخلات الإنتاج، ليضع صغار المزارعين بين فكَّي كماشة: إما الاستدانة لمواصلة الزراعة بقيمة تكلفة لا ترحم، أو تقليص المساحات وربما ترك الأرض بورًا. في بلد يعيش أمنه الغذائي على رغيف خبز مدعوم ومحصول قمح محاصر بين الدولار والمبيد، تبدو أزمة المبيدات نذيرًا بجولة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء وضرب ما تبقّى من قدرة الناس على تحمُّل فاتورة الأكل اليومي.

 

ارتفاع أسعار المبيدات.. قمح محاصر بين الدولار والجشع

 

القفزة في أسعار المبيدات، وعلى رأسها مبيدات الحشائش مثل الجليفوسات، ليست مجرد رقم جديد في قائمة الغلاء؛ هي ضربة مباشرة لمحصول القمح تحديدًا، الذي يُعد حجر الزاوية في الأمن الغذائي المصري. عندما يقفز لتر المبيد من 200 إلى 500 جنيه في أقل من عام، فهذا يعني أن تكلفة مكافحة الحشائش للفدان الواحد قد تضاعفت تقريبًا، في وقت لم ترتفع فيه أسعار تسليم القمح للمزارعين بنفس الوتيرة، بل غالبًا ما تتأخر الدولة في إعلان أسعار التوريد بشكل يربك حسابات الفلاح.

 

هذا الارتفاع يرتبط بعوامل متداخلة:

 

- ربط أسعار المبيدات بالسوق الحر وسعر الدولار في ظل انهيار الجنيه.

 

- الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد أو على مواد خام مستوردة.

 

- غياب سياسة حقيقية لدعم مدخلات الإنتاج الزراعي الأساسية، رغم الحديث المتكرر عن «أمن غذائي».

 

صغار المزارعين هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالفلاح الذي يزرع عدة أفدنة من القمح يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما يدفع تكلفة مضاعفة للمبيدات – مع ما يرافقها من أسمدة وسولار وري – وإما يترك الحشائش تتغوّل على المحصول، فينخفض الإنتاج ويخسر في نهاية الموسم. والنتيجة في الحالتين واحدة تقريبًا: هامش ربح يتآكل، وديون تتضخم، ونفور متزايد من زراعة القمح بالمقارنة بمحاصيل أقل كلفة أو حتى ترك الأرض لسنوات أو بيعها للبناء.

 

تكاليف تنفجر وجودة تنهار.. سوق مبيدات بلا رقابة حقيقية

 

الأخطر أن أزمة المبيدات ليست مجرد «غلاء» بل «فوضى مع غلاء». الخبير الزراعي صبحي أبو ليلة، وغيرُه من المتخصصين، يشيرون إلى أن ارتفاع الأسعار لا يصاحبه تحسّن في الجودة؛ بل على العكس، يُفسِح المجال لانتشار منتجات مغشوشة أو غير مطابقة للمواصفات، مستفيدة من ضعف الرقابة وانعدام الشفافية في السوق.

 

حين يُضطر المزارع، تحت ضغط التكلفة، إلى شراء مبيد أرخص أو غير مضمون المصدر، فإن المخاطر تتضاعف:

 

- مبيد ضعيف الفاعلية يعني حشائش باقية ومحصولًا أضعف.

 

- مبيد مغشوش أو غير مطابق يمكن أن يحرق المحصول كله أو يتلف التربة لسنوات.

 

- الاستخدام العشوائي نتيجة غياب الإرشاد الزراعي الكافي يفتح الباب لتراكم متبقيات كيماوية في التربة والمياه، وربما في الغذاء نفسه.

 

الحديث عن «السوق الحر» في مستلزمات الإنتاج الزراعي يتحول، في الواقع، إلى ساحة مفتوحة أمام شركات وتجار يتحركون بمنطق الربح المجرد، دون ضابط حقيقي لمصلحة الأمن الغذائي أو سلامة البيئة. فالأسمدة قفزت خلال سنوات بنسبة تتجاوز 500%، والآن تلحق بها المبيدات، لتُلقى الفاتورة كاملة على الفلاح والمستهلك، بينما تغيب الدولة عن دورها المفترض: تنظيم السوق، وضبط الأسعار، ومنع الاحتكار، والتشديد على جودة ما يدخل إلى الحقول من مواد كيماوية تؤثر في صحة الناس والتربة لعقود.

 

في هذا المناخ، يصبح الفلاح مجرد «زبون مكره» يشتري ما تفرضه عليه السوق، متحملًا مخاطر الغش والتلوث وسوء الجودة، بينما يخرج من الموسم محطمًا بين تكلفة مرتفعة وسعر توريد لا يغطي ما أنفقه.

 

من الحقل إلى رغيف العيش.. كيف يُهدَّد الأمن الغذائي من بوابة المبيد؟

 

السؤال الذي يفرض نفسه: هل تبقى أزمة المبيدات حبيسة الحقول؟ الإجابة ببساطة: لا. كل جنيه يُضاف إلى تكلفة الفدان سينعكس في النهاية على سعر رغيف العيش، وعلى سعر كيس الدقيق، وعلى تكلفة كل منتج يعتمد على القمح. ارتفاع أسعار المبيدات اليوم، مع ارتفاع الأسمدة والوقود، يعني أن تكلفة إنتاج القمح في مصر تتجه إلى مستويات لا يمكن تجاهلها.

 

إذا لم تتحرك الدولة لضبط هذه الكلفة – بدعم مدخلات الإنتاج، أو تنظيم استيراد المبيدات، أو تقديم بدائل أقل تكلفة وأكثر أمانًا – فسنواجه سيناريوهين كلاهما مرّ:

 

إمّا انخفاض المساحات المزروعة بالقمح، مع اتجاه المزارعين لمحاصيل أقل تكلفة أو أكثر ربحية، ما يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد في وقت تعاني فيه الدولة أصلًا من أزمة دولار.

 

وإمّا ارتفاع أسعار القمح المحلي وما يتبعه من منتجات، مع عجز الحكومة عن الحفاظ على دعم الخبز بمستوياته الحالية، تحت ضغط الديون وعجز الموازنة.

 

بمعنى آخر، أزمة لتر مبيد قفز من 200 إلى 500 جنيه ليست مجرد تفاصيل تقنية في حديث بين مهندس زراعي ومورد؛ بل هي حلقة جديدة في سلسلة تضرب أمن مصر الغذائي من الجذر: من الفدان الذي يزرع القمح، إلى المخبز الذي يخبز الرغيف، إلى المواطن الذي يقف في طابور الخبز وهو يتساءل: لماذا أصبح حتى «لقمة العيش» رهينة لسعر الدولار وجشع التاجر وعجز الدولة عن حماية المزارع؟

 

ما لم يُنظر إلى مبيدات القمح وأسمدته ووقوده باعتبارها «أمنًا قوميًا» لا مجرد سلعة تُترك لسوق منفلت، فإن موسم القمح سيتحول عامًا بعد عام إلى مغامرة خاسرة للفلاح، وكابوس متجدد للأسرة المصرية التي تدفع ثمن فشل السياسات الزراعية والاقتصادية في كل لقمة تضعها على المائدة.