يبدو تفاخر حكومة الانقلاب بإدراج 83 مؤسسة تعليمية في تصنيف ويبومتركس يناير 2026، بينها 10 جامعات ضمن أفضل ألف جامعة في العالم، بأنه– قصة نجاح لافتة في ملف التعليم العالي، لكن خلف عناوين «الإنجاز التاريخي» تختبئ صورة أخرى: إنفاق عام متراجع على التعليم، قاعات مكتظة، خريجون عاطلون، ومنظومة جامعية تُحسّن حضورها على الإنترنت أكثر مما تُحسّن ما يجري داخل قاعات الدرس.
الخبير الدولي في جودة التعليم والاعتماد الأكاديمي، الدكتور هيثم جبار طه، يذكّر بأن «جودة التعليم الحقيقية تبدأ من طرق التدريس، وتنمية قدرات المتعلم ومهاراته العملية»، لا من ترتيب الجامعة على موقع تصنيفات عالمي، محذّرًا من اختزال الإصلاح في سباق شعارات ومعايير رقمية لا تلمس جوهر العملية التعليمية.
ويبومتركس.. إنجاز رقمي أم «مكياج» تعليمي؟
تصنيف ويبومتركس الذي يحتفي به مسؤولو التعليم في مصر لا يقيس جودة التدريس أو خبرة الطالب داخل الحرم الجامعي، بل يرتكز أساسًا على حجم الحضور الرقمي للجامعة وتأثيرها على الويب: حجم المحتوى المنشور، الروابط الخارجية التي تشير لموقع الجامعة، الانفتاح البحثي، وبعض مؤشرات التميز العلمي على الشبكة.
هذه الفلسفة تعني ببساطة أن الجامعة التي تُحسن إدارة مواقعها الإلكترونية ومستودعاتها البحثية، وتضخ كميات كبيرة من الأبحاث والملفات على الإنترنت، يمكن أن تقفز في الترتيب حتى لو ظل الطالب في قاعة مزدحمة، يواجه منهجًا يعتمد على الحفظ والتلقين.
البروفيسور فيليب ألتباخ، مدير مركز التعليم العالي الدولي السابق في جامعة بوسطن، يؤكد أن «التصنيفات العالمية عمومًا لا تتضمن مؤشرات حقيقية لقياس جودة التدريس»، وأن ما يُقاس في الغالب هو النشر العلمي والسمعة، لا ما يتعلمه الطالب فعليًا أو كيف يتغير مستوى مهاراته.
أما إيلين هازلكورن، أستاذة سياسات التعليم العالي وأحد أبرز الباحثين في ملف التصنيفات، فتذهب أبعد من ذلك حين تقول إن التصنيفات تميل إلى «قياس ما هو سهل القياس، لا ما هو مهم فعلًا»، محذّرة من أن استخدامها كدليل وحيد على جودة الجامعات «يختزل دور التعليم في سباق سمعة وبحوث، ويهمّش جودة التدريس والعدالة في إتاحة التعليم».
بهذا المعنى، يصبح احتفال الحكومة المصرية بتقدم الجامعات في ويبومتركس أقرب إلى احتفال بتحسين «الصورة الرقمية» أكثر منه إعلانًا عن تحول جذري في جودة التعليم العالي.
إنفاق متراجع وقاعات مكتظة.. أي جامعة تقيسها التصنيفات؟
في الواقع، تشير تقارير حقوقية واقتصادية إلى أن مصر تنفق على التعليم – بشقيه قبل الجامعي والجامعي – أقل بكثير من النسب الدستورية والمعايير الدولية؛ إذ لم يتجاوز الإنفاق على التعليم في موازنة 2024/2025 نحو 1.7% من الناتج المحلي، مقارنة بنسبة 6% التي يفرضها الدستور، ما يضع مصر في ذيل الدول ذات الدخل المتوسط من حيث أولوية التعليم في الموازنة.
هذا الشح في التمويل ينعكس مباشرة على البنية التحتية للجامعات: مبانٍ قديمة، معامل محدودة التجهيز، وقاعات محاضرات يصل فيها عدد الطلاب لأرقام صادمة في بعض الكليات، وفق دراسات أكاديمية وثّقت أثر الاكتظاظ وندرة الموارد على جودة التعليم الجامعي في مصر.
الدكتور هيثم جبار طه يشدد في محاضراته عن ضمان الجودة على أن «الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى رؤية شاملة تهتم بكل عناصر المنظومة: المدرّس، والبيئة التعليمية، والبنية التحتية، وأدوات القياس والتقويم»، محذرًا من التركيز على «تجميل الواجهة الرقمية» مع ترك الأساس هشًا في الداخل.
لكن خطاب المسؤولين في القاهرة يقدّم تقدم الجامعات في ويبومتركس كدليل كافٍ على تحسن التعليم، متجاهلًا استمرار الدروس الخصوصية، وتدهور أوضاع أعضاء هيئة التدريس، واتساع الفجوة بين خريجي الجامعات وسوق العمل. هكذا يتحول التصنيف إلى ورقة سياسية تُستخدم في المؤتمرات والبيانات الرسمية، بينما يظل الطالب أسير قاعة مزدحمة وشرح أحادي الاتجاه من منصة الدكتور إلى كراس الطالب.
ترتيب على «جوجل».. وخريجون عاطلون في الشارع
المفارقة الأشد قسوة تظهر في سوق العمل: فبينما تصعد الجامعات المصرية في تصنيف يعتمد على الحضور الرقمي، توثّق دراسات دولية ومحلية فجوة حادة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، مع معدلات بطالة مرتفعة بين خريجي الجامعات، خاصة في التخصصات النظرية.
الخبير العالمي في التعليم العالي، جميل صالحي (Jamil Salmi)، الذي عمل لسنوات منسقًا للتعليم العالي في البنك الدولي، يرى أن التصنيفات العالمية «تلتقط بصورة جيدة قدرة الجامعات على إنتاج أبحاث رفيعة المستوى»، لكنها «لا تقيس بالضرورة مدى انخراط الجامعة في حل مشكلات المجتمع والاقتصاد، ولا جودة ما يتلقاه الطلاب داخل قاعات الدراسة»، محذرًا من أن التركيز على النشر والسمعة «قد يأتي على حساب التدريس والطلاب أنفسهم».
ألتباخ يشارك الرأي نفسه تقريبًا، إذ يشير إلى أنه لا توجد حتى الآن أدوات متفق عليها عالميًا لقياس جودة التدريس أو أثر التعليم على الطالب، ما يجعل الاعتماد الكلي على التصنيفات «مضللًا» إذا استُخدم كدليل على جودة التعليم وليس فقط على قوة البحث العلمي أو الحضور الدولي.
في الحالة المصرية، يصبح الخطر مضاعفًا: فالحكومة التي خفّضت الإنفاق على التعليم وسمحت باستمرار ازدحام القاعات وتآكل رواتب الأساتذة، تجد في تصنيف ويبومتركس وسيلة سهلة لتسويق «قصة نجاح» لا تعكس حقيقة ما يحدث في الجامعات ولا في سوق العمل، حيث يواجه آلاف الخريجين بطالة ممتدة أو اضطرارًا للهجرة بحثًا عن فرصة.
في النهاية، لا يعني إدراج 83 جامعة مصرية في ويبومتركس أن الطالب حصل على تعليم أفضل، ولا أن المدرّس تم تدريبُه ودعمُه، ولا أن المعمل أصبح مهيأً أو القاعة أقل اكتظاظًا. ما يعنيه – في أفضل الأحوال – أن الجامعات أصبحت أكثر حضورًا على الإنترنت، تنشر وتُفهرَس وتُقتبَس، بينما تظل معركة جودة التعليم الحقيقي مؤجَّلة.
السؤال الجوهري الذي يطرحه الخبراء اليوم ليس: «في أي ترتيب جاءت جامعاتنا؟» بل: «هل تغيّر شيء في ما يتعلمه طلابنا وكيف يعيشون تجربتهم الجامعية؟». ما لم تُجِب الدولة عن هذا السؤال بسياسات تمويل حقيقية، وإصلاح جاد للتدريس والمناهج والحياة الجامعية، فسيبقى أي صعود في التصنيفات العالمية مجرد «مكياج رقمي» على وجه منظومة تعليمية تعاني في العمق.

