في منتدى دافوس 2026، ظهر قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بخطابٍ مُلمَّع أقرب إلى “صيانة ساعة” الكلمات لا إلى إعلان وفاةٍ صريح لاقتصادٍ مُنهك. جوهر الرسالة كان واضحًا: الحرب على غزة عطّلت الملاحة وخسّرَت مصر مليارات، إذ قال إن مصر فقدت نحو 9 مليارات دولار من عوائد قناة السويس بسبب الحرب وتداعياتها على المنطقة.

 

لكن تحويل غزة إلى “المتهم الأول” ليس بريئًا ولا كاملًا؛ فالأزمة المصرية لم تُولد مع الحرب، بل سبقتها سنوات من ديون متضخمة، وتضخمٍ بلغ ذروات قاسية، واحتكارٍ وتدخلٍ واسع للدولة في السوق، وانكماشٍ فعلي لمساحة القطاع الخاص رغم ترديد اسمه في كل خطاب.

 

غزة ليست أصل الأزمة بل ذريعة جاهزة

 

صحيح أن حرب غزة وما تلاها من اضطرابات البحر الأحمر أعاقت الملاحة وأجبرت شركات على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما كبّد القناة خسائر كبيرة. تقارير دولية قدرت خسائر رسوم القناة بنحو 13 مليار دولار خلال عامين تقريبًا بسبب هجمات البحر الأحمر المرتبطة بالحرب.

 

كما أن السيسي نفسه سبق أن تحدث عن خسائر شهرية للقناة بنحو 800 مليون دولار بسبب الاضطرابات في البحر الأحمر، مع تقديرات بخسائر سنوية كبيرة في 2024.

 

لكن استخدام هذا العامل وحده كعنوان للأزمة هو تلاعب بالسياق: القناة ضُربت بالفعل، إلا أن الاقتصاد المصري كان يعيش اختناقات عملة أجنبية وأعباء ديون ودوامة تضخم قبل الحرب بوقت طويل، وتقرير رويترز وثّق أن التضخم في مصر وصل إلى ذروة 38% في سبتمبر 2023 قبل أشهر من اتساع آثار الحرب على الملاحة.

 

النتيجة أن “شماعة غزة” تُستخدم لتخفيف ضغط المساءلة الداخلية، لا لشرح الأزمة كما هي: أزمة بنيوية تُدار بمنطق رد الفعل، لا بخطة إنتاجية تُعيد ترتيب الأولويات.

 

“قطاع خاص” في الخطاب.. و“دولة متضخمة” في الواقع

 

في دافوس، كرر السيسي لحنه المعتاد عن الإصلاح وتعزيز دور القطاع الخاص وتحسن المؤشرات وإشادات المؤسسات الدولية.

 

لكن المؤسسات نفسها—وفي مقدمتها صندوق النقد—تضع عنوانًا مختلفًا تمامًا: تقليص “بصمة الدولة” في الاقتصاد، تسوية الملعب التنافسي، وتمكين القطاع الخاص ليصبح المحرك الأساسي للنمو. هذه ليست جملة إنشائية؛ إنها شرط معلن في تقييمات الصندوق لملف مصر.

 

الأكثر فداحة أن الحديث عن “القطاع الخاص” لا يستقيم بينما تُدار قطاعات واسعة بمنطق توسع الكيانات المملوكة للدولة، ومعها يتقلص هامش المنافسة ويصير المستثمر المحلي محاصرًا بعدم اليقين التنظيمي وتفاوت المعاملة. حتى عندما أعلنت الحكومة خطط طرح شركات—ومن بينها شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية—ظل الأمر يُقرأ كاستجابة لضغوط التمويل لا كتحول قناعي في نموذج الاقتصاد.

 

بهذا المعنى، خطاب دافوس لا يقدّم حلًا؛ يقدّم طمأنة للخارج بأن كل شيء “تحت السيطرة”، بينما الداخل يرى سوقًا باهظة التكلفة، وفرصًا تختنق، وأجورًا لا تلاحق الأسعار.

 

دافوس كغرفة إنعاش سياسية: “لاعب إقليمي” مقابل دعم اقتصادي

 

السيسي قدّم نفسه في دافوس باعتباره “طرفًا ضروريًا للاستقرار الإقليمي”، وهي صيغة تمنح النظام مساحة للمناورة: كلما اشتعل الإقليم، ارتفعت قيمة “الوسيط” في نظر العواصم المانحة.
في الوقت نفسه، الاقتصاد يحتاج سيولة وتمويلًا واستثمارات، ما يجعل المنصة الدولية فرصة لتبديل السؤال: بدل أن يكون السؤال عن كلفة السياسات الاقتصادية داخليًا، يصبح السؤال عن كلفة الحرب خارجيًا.

 

وحتى في ملفات الطاقة والعملة، تظهر الصورة التي لا يحبها الخطاب الرسمي: رويترز نقلت عن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن مصر سددت نحو 5 مليارات دولار من متأخرات لشركات النفط والغاز الأجنبية وتستهدف خفض المتأخرات، وهو اعتراف عملي بأن أزمة النقد الأجنبي عطلت التزامات أساسية وأثرت على الاستثمار والإنتاج.

 

هذه ليست تبعات حرب غزة فقط؛ إنها نتيجة نموذج تمويل يراكم الالتزامات أسرع من قدرته على توليد الدولار عبر إنتاج وتصدير مستقرين.

 

في النهاية، ما جرى في دافوس ليس “تشخيصًا” بقدر ما هو إعادة تسويق للأزمة: تحميل الخارج جزءًا من الفاتورة، وتقديم الداخل كملف ثانوي مؤجل. الاقتصاد المصري لا يحتاج خطابة إضافية ولا استعطافًا تحت لافتة الحرب، بل يحتاج اعترافًا صارمًا بأن جذور الأزمة أقدم وأعمق، وأن ترقيع الصورة في المنتديات لن يغيّر واقع الجيوب.