رغم ما تروج له الحكومة من أرقام تبدو براقة عن أداء شركات قطاع الأعمال العام في مصر، يحذر خبير اقتصادي بارز من أن الواقع أبعد ما يكون عن هذا الخطاب المتفائل.
فبحسب الدكتور مدحت نافع، عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد بجامعة القاهرة، فإن الإيرادات التي بلغت 126 مليار جنيه في العام المالي 2024–2025، وصافي ربح يناهز 24 مليارًا، إلى جانب صادرات تقارب مليار دولار، تظل «أرقامًا متواضعة» لا تعكس نموًا حقيقيًا، ولا تتناسب مع حجم الأصول الضخمة التي تديرها الدولة عبر هذا القطاع.
وبين خطاب رسمي يحتفي بمعدلات نمو تقارب 20%، ورؤية نقدية تتحدث عن «نمو تضخمي» وتراجع هيكلي، تتكشف صورة مقلقة عن مستقبل قطاع يفترض أنه أحد أذرع الدولة الاقتصادية الكبرى.
نمو على الورق.. وأداء «متراجع» خلف واجهة الأرقام
تقول وزارة قطاع الأعمال العام إن إجمالي إيرادات الشركات التابعة بلغ نحو 126 مليار جنيه خلال العام المالي 2024–2025، بمعدل نمو يقترب من 20% عن العام الأسبق، مع تحقيق صافي ربح يقدر بـ 24 مليار جنيه.
كما تشير إلى أن صادرات هذه الشركات وصلت إلى حوالي مليار دولار، بمعدل نمو 27%، وأن نحو 40% من الشركات باتت تصدّر لأسواق عربية وأفريقية وأوروبية وآسيوية وأميركية، في إشارة رسمية إلى تحسن جودة المنتجات وارتفاع تنافسيتها.
لكن الدكتور مدحت نافع يرى أن هذه الأرقام، عند وضعها في سياقها الحقيقي، لا تمثل قصة نجاح بقدر ما تعكس «تواضع الأداء».
فالإيرادات التي تقترب من 2.5 مليار دولار، والأرباح التي لا تتجاوز نصف مليار دولار تقريبًا، بحسب تقديراته، لا تليق بقطاع كامل يتبع وزارة في ديوان عام الدولة، ويدير محفظة أصول بمليارات الدولارات.
الأخطر من ذلك، أن مقارنة هذه النتائج بتاريخ قريب للقطاع تكشف التراجع؛ إذ يؤكد نافع أن شركات قطاع الأعمال كانت تحقق في فترات سابقة إيرادات تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار، وصافي أرباح اقترب من 3 مليارات، ما يعني أن ما يُقدَّم اليوم كإنجاز ليس سوى مستوى أقل من الماضي.
أزمات هيكلية موروثة: ديون، تكنولوجيا متقادمة، وعمالة مختلة
ينبّه الخبير الاقتصادي إلى أن جزءًا من التراجع في الأرقام يمكن تفسيره بتقلص عدد الشركات العاملة، نتيجة عمليات تصفية أو دمج أو طرح، لكن الجزء الأكبر – في رأيه – يعود إلى أزمات هيكلية عميقة لم تُعالَج حتى الآن. في مقدمة هذه الأزمات ارتفاع المديونية التي تقيد حركة الشركات، وتستنزف جزءًا معتبرًا من عوائدها في خدمة الدين بدلًا من التوسع والاستثمار.
إلى جانب ذلك، تعاني كثير من الشركات من تراجع وتقادُم التكنولوجيا، وعدم مواكبة التطورات الصناعية العالمية، مما يحد من الإنتاجية ومن القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، رغم ما يقال عن تحسن الصادرات. كما تمتلك الدولة عبر هذه الشركات محفظة عقارية ضخمة لا تُدار اقتصاديًا بصورة فعالة، ولا تتحول إلى موارد مستدامة، بل تظل أصولًا مجمدة خارج دائرة التوريق والاستثمار الحقيقي.
أما على مستوى العنصر البشري، فيشير نافع إلى اختلال هيكل العمالة؛ إذ تتركز الزيادات في الوظائف الإدارية والمساندة، بينما تعاني الشركات من نقص حاد في الكفاءات الفنية المتقدمة. ويرجع ذلك إلى عدم قدرة هذه الكيانات على تقديم أجور تنافسية تجذب الخبرات، مقارنة بما يقدمه القطاع الخاص، ما يترك القطاع العام محاصرًا بين تضخم الإدارات وضعف الخبرة الفنية.
إدارة مركزية «فاشلة» وتشابك جهات يقتل الكفاءة
في ملف الحوكمة والإدارة، يوجه الخبير الاقتصادي انتقادًا مباشرًا لفلسفة إدارة الشركات المملوكة للدولة حاليًا، معتبرًا أن تعدد الجهات المتداخلة في القرار يمثل عبئًا ثقيلًا على الكفاءة. فهناك الوزارة، ووحدة إدارة الشركات المملوكة للدولة، ووحدة الطروحات، وجهات معنية بوثيقة سياسة ملكية الدولة، فضلًا عن الأجهزة الرقابية، ما يصنع شبكة معقدة من السلطات المتقاطعة التي تؤخر القرار وتربط حركة الشركات بأهداف سياسية وإدارية، بدلًا من منطق تشغيلي قائم على الربحية والكفاءة.
ويذكّر نافع بأن قانون 203 كان يقوم على منح الشركات القابضة قدرًا من الاستقلال، لكن عودة المركزية عبر هيمنة الوزارة أعادت إنتاج المشكلات القديمة، وأثبتت – حسب تعبيره – فشل الإدارة المركزية في التعامل مع أنشطة متباينة وطبيعة مشكلات مختلفة من شركة لأخرى. لذلك يدعو إلى أن تتعامل وحدة إدارة الشركات بمنطق المشغّل الذي يطارد الكفاءة والعائد، لا بمنطق «أمين على الأصول» يكتفي بإدارة دفاتر وميزانيات.
ويرجّح الخبير أن يتراجع تدريجيًا الدور الوزاري المباشر إذا أُريد لهذا القطاع أن يخرج من دائرة «النمو التضخمي» إلى مسار إصلاح حقيقي يعيد له عافيته وقدرته على الإضافة للاقتصاد الوطني بدل الاكتفاء بأرقام لا تصمد أمام التدقيق.

