مني أركو مناوي

والي إقليم دارفور – السودان

 

منذ اندلاع الحرب في السودان، أصبح الحديث عن "الهدن الإنسانية" لازمة سياسية تتكرر كلما بلغت الكارثة الإنسانية ذروتها.

 

غير أن الهدنة المطروحة اليوم تأتي في سياق مختلف وخطير، إذ جاءت عقب ارتكاب قوات الدعم السريع (مليشيا الدعم السريع) جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، وهي من أبشع الجرائم الإنسانية في تاريخ السودان الحديث، بل وفي تاريخ البشرية جمعاء.

 

لقد تحولت الفاشر، التي كانت رمزا للتنوع والتعايش، إلى مدينة مدمرة، خاوية من سكانها. وفي أعقاب هذه الجريمة الكبرى، عاد المجتمع الدولي مرة أخرى لطرح خيار "هدنة إنسانية".

 

وهذا يستدعي قراءة سياسية متأنية لا تتوقف عند الشعارات الأخلاقية، بل تغوص في دوافع هذا الطرح وما قد يترتب عليه من نتائج، لا سيما على صعيد وحدة السودان الجغرافية والاجتماعية والسياسية.

 

طريق للسلام أم بوابة للتفكك؟

 

يقال في الثقافة الشعبية: "إذا رأيت فقيرا يأكل دجاجا، فإما أن الفقير مريض أو أن الدجاجة مريضة". هذا المثل يلخص جوهر الشكوك السياسية المشروعة حول توقيت هذه الهدنة.

 

فالهدن الإنسانية، من حيث المبدأ، تهدف إلى التخفيف من معاناة المدنيين، وقد تمهد الطريق لإنهاء النزاعات. غير أن ما يثير القلق في الحالة السودانية أن هذه الهدنة طرحت بعد وقوع الكارثة، لا قبلها- وبعد أن رفضت قوات الدعم السريع بشكل قاطع أي التزامات إنسانية، بما في ذلك حماية المستشفيات وتأمين ممرات آمنة لهروب المدنيين.

 

وقد ظلت المنظمات الإنسانية تعمل في معظم أنحاء السودان، بما فيها دارفور، رغم تعقيدات الوضع الأمني، ومن دون وجود هدنة قانونية موقعة. وهو ما يطرح السؤال الجوهري: لماذا يتم الدفع بهذه الهدنة الآن؟ ولصالح من تطرح هذه الهدنة في هذا التوقيت تحديدا؟

 

هذا التناقض يفتح الباب أمام الشك في أن الغاية تتجاوز الاعتبارات الإنسانية، لتمتد نحو إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للبلاد.

 

الهدن في التجربة التاريخية

 

يمتلئ التاريخ الحديث بأمثلة تحولت فيها الهدن الإنسانية من أدوات لخفض التصعيد إلى مقدمات للتفكك والانفصال. ففي الصحراء الغربية، وليبيا، والصومال، واليمن، وجنوب السودان، لم تكن الهدن دائما جسورا نحو السلام؛ بل كثيرا ما كانت مراحل انتقالية نحو تقسيم الدول وتقويض سيادتها.

 

وفي السياق السوداني تحديدا، تعد عملية "شريان الحياة للسودان" (Operation Lifeline Sudan) التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 1989 مثالا صارخا على توظيف العمل الإنساني كبوابة سياسية، انتهت بانفصال جنوب السودان عبر استفتاء جاء بعد عملية طويلة من تطبيع فكرة الانقسام.

 

أما الوضع الحالي، فهو أخطر وأكثر تعقيدا. فليس الأمر تفاوضا بين حكومة وحركة سياسية ذات مطالب وطنية، بل هو مشهد غير مسبوق يتمثل في طرفين كل منهما يدعي تمثيل "الحكومة" في دولة واحدة: الحكومة الشرعية من جهة، وقوات الدعم السريع الساعية إلى تأسيس كيان موازٍ من جهة أخرى.

 

فخ الاعتراف السياسي المقنع

 

التفاوض بين "حكومتين" داخل الدولة الواحدة ليس فقط أمرا غير مسبوق في السودان، بل يعد فخا سياسيا بالغ الخطورة، يهدف إلى انتزاع اعتراف سياسي بكيان فعلي قائم تحت مظلة الهدنة.

 

فمجرد التوقيع المشترك يمنح الطرف المتمرد مساواة وشرعية، وهو ما يناقض جذريا التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب السوداني دفاعا عن وحدة الدولة وسيادتها.

 

إن هذا المسار يعد خرقا مباشرا للمبادئ الأساسية التي ضحى من أجلها الرجال وتأيّمت من أجلها النساء؛ فقد انتهكت قوات الدعم السريع مبدأ الوحدة من خلال استقدام عناصر أجنبية ومرتزقة، واستغلال الدعم الخارجي لفرض تغييرات ديمغرافية قسرية، ومحاولة إعادة تشكيل السودان وفق أجندات لا تعبر عن إرادته الوطنية.

 

كما يقوض السعي إلى حكومة موحدة وشرعية دستورية عبر الدفع بمشروع "حكومة موازية"، ما يضرب أسس الدولة التي قامت منذ الاستقلال، ويفتح الأبواب أمام فوضى سياسية وتفكك مؤسسي.

 

أضف إلى ذلك أن وحدة المؤسسة العسكرية باتت مهددة، إذ تعتمد قوات الدعم السريع على أسلحة ومعدات قتالية تتلقاها من دول أجنبية، وعلى النهب والتمويل الذاتي، في ممارسات تناقض كل حديث عن إصلاح أمني أو بناء جيش وطني موحد، بل تمهد لقيام جيوش متعددة داخل الدولة الواحدة.

 

غموض المفاوضات وغياب الشفافية

 

تتعمق المخاوف مع الغياب الكامل للشفافية في مسار الهدنة. لماذا تعقد المفاوضات خلف الأبواب المغلقة؟ ولماذا يقصى الشعب السوداني عن معرفة ما يتفق عليه باسمه؟ كيف لدول أجنبية أن تتفاوض نيابة عن شعب ينزف تحت نيران الحرب والنزوح؟ من أحق بقيادة جهود السلام من الشعب نفسه؟ وهل هناك أولويات أسمى من وقف حرب يكتوي بنارها الجميع؟

 

والأدهى من ذلك أن الطرف الذي "يمسك القلم" في العملية السياسية، هو نفسه الذي "يمسك البندقية"، ويمارس القتل والتطهير العرقي- وهي مفارقة أخلاقية وسياسية لا يمكن قبولها.

 

تشير القراءة الشاملة لما يجري إلى أن هذه الهدنة أقرب إلى أن تكون مدخلا لتفكيك الدولة السودانية، لا جسرا لإنقاذها. وقد تقود إلى ترسيخ الانقسام: مناطق نفوذ، جيوش متعددة، عملات مختلفة، بنوك مركزية متوازية، وزارات خارجية متنازعة، وجوازات سفر متضاربة- دولة بلا دولة، وسيادة بلا سيادة.

 

وهذا مرض معدٍ، سيطال عاجلا أم آجلا كل من يقيم على الساحل، وعند مصب النهر ومنبعه على السواء.

 

بين الواجب الإنساني واليقظة الوطنية

 

لا خلاف على أولوية تحسين الأوضاع الإنسانية وحماية المدنيين. لكن الهدنة التي يدفع نحوها اليوم قد تجلب استقرارا مؤقتا بثمن إستراتيجي باهظ: وهو تآكل وحدة السودان.

 

فالواجب الوطني يقتضي أقصى درجات الحذر والتيقظ، خشية أن تتحول هذه الهدنة إلى فخ سياسي، يزج بمشروع تفكيك الدولة إلى الأمام. نعم، الأزمة ضاربة في الجذور، وتراكماتها التاريخية عميقة، ولكن التاريخ لا يغفر لمن يفرط في وطنه، ولا يعفي من يقايض السيادة الوطنية بإملاءات الخارج.

 

يبقى الأمل معقودا على وعي الشعب السوداني، وعلى قدرته في التوحد لمواجهة هذه اللحظة الحاسمة، دفاعا عن وطن واحد، وجيش واحد، ودولة واحدة: دولة ترفض التقسيم والوصاية، ولا تقبل سوى إرادة شعبها، ضمن نظام وإطار لا مكان فيه للاستيلاء بالقوة، ولا لفرض الأمر الواقع تحت تهديد السلاح.