في تطور صادم، كشف مسؤول إيراني لرويترز أن السلطات تحققت من مقتل ما لا يقل عن 5 آلاف شخص منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران يوم 28 ديسمبر 2025، بينهم حوالي 500 من أفراد الشرطة والأمن، في ما يصفه مراقبون بأنه أعنف موجة قمع تشهدها البلاد منذ عام 1979.
الاحتجاجات التي انطلقت على خلفية الانهيار الاقتصادي، وتهاوي العملة، سرعان ما تحولت خلال نحو أسبوعين إلى مظاهرات تطالب بإنهاء حكم النظام الديني، وسط اتهامات متبادلة بين طهران وواشنطن، وحديث متزايد عن أحكام إعدام قد تطال متظاهرين تتهمهم السلطات بـ«الحرابة» و«الإرهاب».
أرقام رسمية وحقوقية متضاربة: 5 آلاف قتيل، 3308 موثقين، و16.500في تقديرات الأطباء
بحسب المسؤول الإيراني الذي تحدث لوكالة رويترز، بلغ عدد القتلى «المؤكدين» لدى السلطات 5000 شخص على الأقل، بينهم حوالي 500 عنصر أمني، مع توقعات بألا ترتفع الحصيلة النهائية «بشكل حاد»، في حين تتهم الحكومة «إرهابيين ومثيري شغب مسلحين» بقتل «إيرانيين أبرياء» بدعم من إسرائيل وجماعات مسلحة في الخارج.
في المقابل، تقول وكالة «هرانا» (وكالة نشطاء حقوق الإنسان) التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها إنها تحققت حتى الآن من مقتل 3308 أشخاص، مع وجود 4382 حالة وفاة أخرى قيد المراجعة، إضافة إلى أكثر من 24 ألف معتقل منذ بداية الاحتجاجات.
تقديرات أكثر صدمة جاءت من شبكة أطباء داخل إيران، نقلتها تقارير صحفية غربية، تتحدث عن ما لا يقل عن 16.500 قتيل ونحو 330 ألف مصاب، معظمهم تحت سن الثلاثين، كثير منهم أُصيبوا بطلقات نارية في الرأس والرقبة والصدر، مع تسجيل أكثر من 1000 حالة فقدان عين واحدة على الأقل بسبب الرصاص والطلقات المباشرة على الوجه.
ورغم اختلاف الأرقام، يتفق معظم المراقبين على أن حصيلة القتلى – سواء كانت 3 آلاف أو 5 آلاف أو تتجاوز 16 ألفًا – تجعل من احتجاجات أواخر ديسمبر 2025 – يناير 2026 أكبر مجزرة سياسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، متجاوزة حتى قمع احتجاجات 2019 2022 من حيث عدد الضحايا وانتشار العنف في 31 محافظة وعشرات المدن والبلدات.
بين رواية خامنئي وتهديدات ترامب: «آلاف القتلى» وحرابة وعقوبات إعدام
المرشد الأعلى علي خامنئي خرج عن صمته واعترف في خطاب متلفز بسقوط «عدة آلاف من القتلى» خلال أسابيع من الاحتجاجات، ملقيًا باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل، ومتهمًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه «مجرم» يتحمل مسؤولية الدماء بسبب «تشجيعه للفوضى وإثارة الشغب».
خامنئي قال في خطابه: «لن نجرّ البلاد إلى الحرب، لكننا لن نسمح للمجرمين المحليين أو الدوليين بالإفلات من العقاب»، في إشارة إلى أن الرد لن يكون فقط أمنيًا، بل قد يشمل محاكمات قاسية. بالفعل، أكد المتحدث باسم السلطة القضائية أصغر جهانكير في مؤتمر صحفي أن السلطات حددت سلسلة من الأفعال باعتبارها «حرابة»، وهي من أشد الجرائم في الفقه الإسلامي وتستوجب عقوبة الإعدام، ما يفتح الباب أمام موجة إعدامات جديدة بحق متهمين بالمشاركة في الاحتجاجات.
على الجانب الآخر، تبنى ترامب لهجة تصعيدية، مهددًا بـ«إجراء قوي للغاية» إذا مضت طهران في تنفيذ إعدامات جماعية بحق المحتجين، قبل أن يعلن – في منشور على مواقع التواصل – «شكره» لقادة إيران بدعوى أنهم تراجعوا عن تنفيذ إعدام 800 شخص كانت أحكامهم جاهزة، على حد قوله. ثم عاد في مقابلة مع «بوليتيكو» ليقول صراحة: «حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران»، في خطاب يعزّز مخاوف طهران من سيناريو «تغيير النظام».
هذا التداخل بين القمع الداخلي والتهديد الخارجي يسمح للنظام الإيراني بتبرير العنف بوصفه «دفاعًا عن الوطن» في مواجهة «حرب هجينة» تقودها واشنطن وتل أبيب، بينما يرى معارضون أن التصعيد الأمريكي يمنح طهران ذريعة إضافية لاتهام المحتجين بالعمالة وتقويض شرعية حراكهم الشعبي.
احتجاجات شاملة وحجب إنترنت وعنف مركّز في المناطق الكردية
الاحتجاجات بدأت في طهران يوم 28 ديسمبر 2025 على خلفية الانهيار التاريخي للعملة وارتفاع الأسعار والبطالة، ثم انتشرت خلال أيام إلى أكثر من 500 موقع في جميع أقاليم إيران، وفق تقديرات حقوقية، لتتحول من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية مباشرة تطالب بإنهاء حكم رجال الدين.
مع اتساع رقعة الغضب، لجأت السلطات إلى حجب شبه كامل للإنترنت بدءًا من 8 يناير 2026 استمر أكثر من 8 أيام متصلة، ما صعّب توثيق أعداد الضحايا، وقطع تواصل المحتجين مع العالم الخارجي، قبل أن يُسمح بعودة جزئية للخدمات لساعات معدودة ثم يعاد التضييق من جديد، حسب منظمات متخصصة في مراقبة الإنترنت.
أعنف المواجهات – بحسب المسؤول الإيراني ذاته – وقعت في المناطق الكردية في شمال غرب البلاد، حيث تنشط جماعات كردية مسلّحة تاريخيًا، مثل كردستان إيران والمناطق الحدودية مع العراق، والتي شهدت أعلى معدلات إطلاق النار المباشر، مع تقارير عن استخدام أسلحة ثقيلة من نوع «دوشكا» في بعض المدن. منظمات كردية مقرها النرويج تحدثت عن «مجازر حقيقية» في بعض البلدات، مع مئات القتلى خلال أيام قليلة.
في الوقت نفسه، تشير بيانات «هرانا» إلى أن عدد القتلى المؤكدين بلغ 2615 شخصًا حتى منتصف يناير، بينهم 2435 محتجًا و13 طفلًا دون الـ18، إضافة إلى 14مدنيًا لم يكونوا مشاركين في الاحتجاجات، و153 من عناصر الأمن والمناصرين للحكومة، فيما تظل 882 حالة وفاة أخرى قيد التحقيق.
مع اقتراب الاحتجاجات من شهرها الأول، يبدو أن القمع الدموي والاعتقالات التي تجاوزت 24 ألفًا قد نجحت مؤقتًا في إخماد التظاهرات في الشوارع، لكن الثمن – بالآلاف من الضحايا وعشرات الآلاف من المعتقلين – يجعل من الصعب الحديث عن «عودة الاستقرار» بقدر ما يُظهر جروحًا عميقة في بنية المجتمع الإيراني قد تنفجر من جديد في أي لحظة قادمة.

