أيّدت محكمة الاستئناف في تونس العاصمة، الحكم الابتدائي القاضي بسجن راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي السابق، لمدة 22 عامًا، في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «أنستالينغو»، في قرار يُعد من أثقل الأحكام الصادرة بحق شخصية سياسية بارزة منذ التحولات السياسية التي شهدتها البلاد في صيف 2021.

 

وشمل الحكم، الذي ثُبّت استئنافيًا، إدانة 41 متهمًا آخرين، من بينهم سياسيون وصحفيون ومدونون ورجال أعمال، بعقوبات سالبة للحرية تراوحت بين 5 و54 عامًا، ما جعل القضية واحدة من أوسع القضايا من حيث عدد المتهمين وأشدها من حيث الأحكام الصادرة خلال السنوات الأخيرة.

 

خلفية القضية وبداياتها

 

تعود وقائع قضية «أنستالينغو» إلى شركة متخصصة في صناعة المحتوى والاتصال الرقمي، كانت تنشط في ولاية سوسة، قبل أن تقوم السلطات التونسية بمداهمة مقرها في سبتمبر 2021.

وبررت الجهات الرسمية حينها المداهمة بالاشتباه في تورط الشركة في أنشطة تمس أمن الدولة، من بينها إدارة حملات إعلامية رقمية، والتأثير على الرأي العام، والتخابر مع جهات خارجية، وفق ما ورد في ملفات الاتهام.

 

ومنذ اللحظات الأولى لإعلان القضية، أثارت ملابساتها جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية والحقوقية، خاصة مع توسع دائرة الاتهام لتشمل شخصيات معروفة بانتماءاتها السياسية أو بنشاطها الصحفي والإعلامي، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الأدلة، وحدود المسؤولية الجنائية، ومعايير المحاكمة المعتمدة.

 

الغنوشي… حكم ثقيل وسياق استثنائي

 

يُعد تثبيت حكم السجن لمدة 22 عامًا بحق راشد الغنوشي تطورًا لافتًا، بالنظر إلى رمزية الرجل الذي قاد حركة النهضة لعقود، وترأس البرلمان المنتخب بعد ثورة 2011.

ويرى مراقبون أن الحكم يعكس تحوّلًا جذريًا في المشهد السياسي التونسي، حيث انتقلت شخصيات كانت في صدارة السلطة إلى مواجهة أحكام قضائية مشددة.

 

ويأتي هذا القرار في ظل استمرار احتجاز الغنوشي على ذمة قضايا أخرى، ما يعمّق من حالة الاستقطاب الداخلي بين مؤيدين يرون في الأحكام تطبيقًا للقانون، ومعارضين يعتبرونها جزءًا من مسار إقصاء سياسي ممنهج.

 

مناخ سياسي وقضائي متوتر

 

صدرت الأحكام في سياق سياسي وقضائي بالغ الحساسية، تعيشه تونس منذ يوليو 2021، تاريخ إعلان الإجراءات الاستثنائية التي شملت حل البرلمان وتعليق أجزاء من الدستور، ثم الشروع في مسار سياسي جديد أثار انقسامًا حادًا داخل البلاد.

 

وفي هذا المناخ، تصاعدت انتقادات منظمات حقوقية محلية ودولية لما وصفته بـ«التوسع في توظيف القضايا ذات الطابع الأمني» لملاحقة معارضين سياسيين وصحفيين، محذرة من انعكاسات ذلك على حرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة واستقلال السلطة القضائية.

 

مطالب حقوقية وضغوط دولية

 

في هذا السياق، طالب مركز الشهاب وعدد من المنظمات الحقوقية التونسية والدولية بجملة من الإجراءات، أبرزها:

 

  • ضمان احترام معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور التونسي والاتفاقيات الدولية المصادق عليها.
  • وقف التوسع في استخدام القوانين ذات الطابع الأمني لتقييد حرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي.
  • تمكين المتهمين من حقوق الدفاع الكاملة، بما في ذلك علنية الجلسات والشفافية في الإجراءات.
  • دعوة الهيئات القضائية إلى تعزيز استقلال القضاء وحمايته من أي تأثيرات أو ضغوط سياسية.
  • مطالبة المجتمع الدولي والآليات الأممية المختصة بمتابعة القضية ورصد مدى توافقها مع المعايير الحقوقية الدولية.