لم تعد مقاعد مجلس النواب في مصر تعبيرًا عن إرادة الناخب بقدر ما أصبحت انعكاسًا لقوّة العائلة ومراكز النفوذ.
أسماء تتكرر داخل نفس البيت: نائب وزوجته، أب وابنته، مسؤول كبير وابنته على القائمة، وزير يضع ابنه أو شقيقه في المقاعد الاحتياطية، وقوائم مغلقة تُفصَّل بعيدًا عن عيون الناس.
ملف توريث البرلمان لم يعد مجرد انطباع عام؛ بل تؤكده كشوف المرشحين، وتقارير صحفية موثقة، ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتباهى أحيانًا بأن «المؤهلات السياسية» الوحيدة لبعض النائبات هي أنهن زوجات أو بنات لنواب حاليين.
في برلمان السيسي 2026، يبدو أن اسم العائلة صار أهم بكثير من صوت الناخب، وأن الحصانة تُمنح كامتداد طبيعي للقب الأب أو الزوج أو الأخ، لا كتكليف من المصريين.
من رحمي بكير إلى زوجته.. المقاعد على طريقة “شركة عائلية”
نموذج النائب رحمي بكير وزوجته يلخص كيف يتحول البرلمان إلى مشروع عائلي. فبينما يجلس بكير تحت القبة نائبًا عن شمال سيناء، تتداول صفحات ومجموعات فيسبوك كشوفًا وصورًا لمرشحات على القوائم، من بينها مرشحة تُعرِّف نفسها – أو يُعرِّفها داعموها – بهذه العبارة الصادمة:
«25 سنة – الصفة: عضوة مجلس النواب بنظام القائمة عن حزب الجبهة الوطنية.
المؤهلات السياسية: زوجة النائب رحمي بكير عضو مجلس النواب»
لا حديث عن برنامج، ولا سيرة نضال سياسي، ولا حضور مجتمعي؛ المؤهل الوحيد الذي يُقدَّم لجمهور الناخبين هو أنها «زوجة النائب». هكذا ببساطة، يتحول المقعد النيابي من تفويض شعبي إلى امتداد طبيعي لدفتر العائلة.
هذا النمط لا يمكن فصله عن هندسة القوائم المغلقة المدعومة أمنيًا، حيث لا يملك الناخب أن يختار شخصًا بعينه أو يرفض آخر، بل يُفرض عليه «بلوك» كامل من الأسماء.
حين تُدرج زوجات نواب حاليين على هذه القوائم، ويُسوَّق لهن بهذه اللغة الفجة، فإن الرسالة واضحة: البرلمان ليس ساحة تنافس بين برامج وأفكار، بل مساحة توزيع مكافآت على أهل الثقة، وإدخال الأسرة بأكملها في نادي الحصانة والامتيازات.
ريهام أبو الحسن ومي كرم جبر.. إرث سياسي وإعلامي تحت قبة واحدة
قضية ريهام أبو الحسن تكشف وجهًا آخر من وجوه التوريث.
النائبة الشابة التي تصدرت التريند بعد حلف اليمين بسبب طريقة أدائها وأناقتها، لم تأتِ من فراغ؛ الصحف والقنوات التي احتفت بها تحدثت صراحة عن «إرث سياسي واجتماعي» تحمله معها إلى البرلمان.
والدها أبو الحسن رمضان، عضو مجلس الشورى السابق، خرج في تصريحات لوسائل إعلام يطمئن الجمهور على صحتها بعد دور برد، ويؤكد أنها «على قدر المسؤولية».
ريهام نفسها ليست مرشحة فردية خاضت معركة قاسية، بل عضو في القائمة الوطنية لحزب مستقبل وطن عن قطاع الجيزة والصعيد، وهي قائمة مغلقة لا منافس حقيقي لها، وفق تقارير صحفية توثّق غياب أي قوائم أخرى في نفس الدائرة، بما يجعل الفوز شبه مضمون بمجرد إدراج الاسم على القائمة، لا عبر اختبار حقيقي أمام الناخبين.
المشهد نفسه يتكرر مع مي كرم جبر؛ سيرة ذاتية رسمية نشرتها «تنسيقية شباب الأحزاب» تعرفها بأنها مرشحة على «القائمة الوطنية من أجل مصر» عن قطاع القاهرة وجنوب ووسط الدلتا، وتذكر في الخلفية أن والدها هو كرم جبر، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أحد أهم مفاصل السيطرة على المجال الإعلامي في مصر.
هنا لا نتحدث فقط عن توريث مقعد، بل عن تزاوج سافر بين السلطة السياسية والسلطة الإعلامية؛ أب يترأس الجهة التنظيمية الأعلى للإعلام، وابنة تحجز مكانها في البرلمان على قائمة مدعومة من نفس المنظومة، وسط شبكة أوسع من الأقارب والأنساب والأصهار الذين يجمعون بين مواقع تنفيذية وتشريعية وإعلامية في وقت واحد.
وبين نموذج الزوجة التي لا يُقدَّم لها مؤهّل سوى صلة القرابة، ونموذج الابنة التي تحمل إرث أب متنفّذ في الدولة، تصبح الرسالة موحّدة: الدخول إلى برلمان السيسي لا يمر من باب صناديق الاقتراع، بل من باب العائلة وشبكات النفوذ.
وزراء يجهزون أبناءهم واحتياطي يتحول إلى مخزن توريث
المرحلة الأحدث من توريث البرلمان تكشفها تقارير موثقة عن كواليس إعداد «القائمة الوطنية من أجل مصر». تقرير موسع نشرته صحيفة «العربي الجديد» في أكتوبر 2025 أكد أن كشوف المرشحين كشفت عن عودة ظاهرة توريث المقاعد النيابية بشكل ممنهج، ليس فقط على المقاعد الأصلية، بل – والأخطر – على القوائم الاحتياطية.
التقرير يذكر بالنص أن من «الأمور اللافتة» إدراج أبناء وأشقاء المرشحين على القوائم الاحتياطية بنفس صفتهم الانتخابية، بحيث إذا توفي النائب أو خُلِي مقعده خلال الفصل التشريعي، يصعد ابنه أو شقيقه أو قريبه مباشرةً، وكأن المقعد قد كُتب باسمه في عقد موثّق داخل العائلة. ومن بين الأمثلة التي يسوقها التقرير:
عاصم الجزار، وزير الإسكان السابق ورئيس حزب الجبهة الوطنية، أدرج ابنته لاجين عاصم كمرشحة احتياطية بالصفة نفسها في دائرة قطاع القاهرة.
مرشحون آخرون أدرجوا أشقاءهم أو أبناءهم أو أبناء عمومتهم على نفس القوائم الاحتياطية، مثل أحمد حسن العطيفي، أحمد مجدي عبد المعبود، محمود حسين طاهر، مصطفى محمود مجاهد، وغيرهم، في توزيع عائلي مكثف داخل القائمة.
المادة 25 من قانون مجلس النواب تكمل الحلقة؛ فهي تنص على أنه عند خلوّ مكان أحد الأعضاء المنتخبين بنظام القوائم، يصعد الاحتياطي من ذات الصفة أولًا، ثم أي احتياطي آخر وفق الترتيب. هذا يعني عمليًا أن توريث المقعد تم تقنينه: الوزير أو رئيس الحزب يضمن اسمه في المقدمة، ويضع على الاحتياطي ابنَه أو شقيقَه أو قريبَه، ليضمن استمرار سيطرة العائلة على المقعد لدورتين متتاليتين على الأقل، تحت حماية نص قانوني صيغ بعناية.
في الخلفية، تشير مصادر حزبية نقلها نفس التقرير إلى أن دخول هذه القوائم لا يأتي مجانًا؛ فهناك حديث عن مبالغ بملايين الجنيهات يدفعها البعض لضمان إدراج اسمه أو اسم أحد ذويه، في مشهد يجمع بين المال السياسي، وتدخل الأجهزة الأمنية في هندسة القوائم، ومصالح رجال الأعمال، وتطلع أبناء النخبة إلى حصانة خمس سنوات تؤمّن أعمالهم وصفقاتهم.
بهذا المعنى، يصبح البرلمان الجديد ليس فقط برلمانًا عائليًا، بل برلمان رأس المال والمحسوبية؛ مقاعد تُباع وتُشترى داخل دوائر مغلقة، وأسر تتعامل مع المجلس باعتباره استثمارًا طويل الأجل، يضمن نفوذًا وتشريعًا وحماية، في حين يُترك غالبية المصريين خارج اللعبة، لا دور لهم سوى التصفيق في يوم التصويت، ثم العودة إلى مقاعد المتفرجين، بينما تُدار حياتهم وقوانينهم داخل قاعة تغصّ بأبناء وبنات وإخوة وأصهار أهل السلطة.

