دخلت احتجاجات عمال شركة السكر والصناعات التكاملية مرحلة جديدة من التصعيد، مع استمرارها لليوم السادس على التوالي في عدد من المحافظات، وسط حالة من الغضب والاحتقان داخل المصانع، ورفض واسع لحزمة القرارات المالية التي أعلنتها وزارة التموين والتجارة الداخلية، والتي اعتبرها العمال غير كافية ولا تستجيب لجوهر مطالبهم المتراكمة منذ سنوات.
احتجاجات ممتدة وتصعيد في مواقع الإنتاج
وشهدت محافظات الجيزة وقنا وأسوان تحركات عمالية متزامنة، حيث واصل عمال مصنعي دشنا ونجع حمادي بمحافظة قنا الإضراب الكامل عن العمل، فيما علّق عمال مصنع إدفو بأسوان احتجاجاتهم مؤقتًا، دون الإفصاح عن أسباب واضحة، وفقًا لإفادات عمالية.
وفي المقابل، تصاعدت وتيرة الاحتجاجات داخل مجمع مصانع الحوامدية بالجيزة، مع تنظيم وقفات ومسيرات احتجاجية داخل المجمع، شارك فيها عمال ستة مصانع، رفضًا لمطالبات الإدارة بإنهاء الإضراب.
وبحسب مصادر عمالية، حاول عضو مجلس إدارة الشركة، خضر سعيد، احتواء الموقف، معتبرًا قرارات وزارة التموين الأخيرة «بداية لتنفيذ مطالب العمال»، إلا أن تصريحاته قوبلت بهتافات غاضبة، بعدما قال إن «الوزارة لم تكن تعلم شيئًا عن مطالب العمال»، وهو ما اعتبره المحتجون «تمثيلية» ومحاولة للتنصل من المسؤولية، مرددين هتافات تتهم الإدارة والنقابة بـ«بيع العمال» والتخلي عن حقوقهم.
قرارات «التموين» تحت مقصلة الرفض
وكانت وزارة التموين قد أعلنت، في بيان رسمي، موافقة مجلس إدارة الشركة على زيادة نسبة الأرباح والحوافز السنوية من 42 شهرًا إلى 45 شهرًا، وزيادة بدل الوجبة بقيمة 500 جنيه، إلى جانب رفع الحافز بنسبة 25% من الراتب الأساسي، وتوسيع نطاق الخدمات العلاجية المقدمة للعاملين عبر المركز الطبي بالحوامدية.
إلا أن العمال رفضوا هذه القرارات جملةً وتفصيلًا، مؤكدين أنها لا ترقى إلى مستوى مطالبهم الأساسية، وعلى رأسها تطبيق الحد الأدنى للأجور، وزيادة نسبة الأرباح إلى 60 شهرًا، وتسوية الأوضاع الوظيفية للعاملين الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة، أسوة بما جرى في شركات قطاع عام أخرى مؤخرًا. كما شددوا على مطلبهم التاريخي بفصل تبعية الشركة عن وزارة التموين، معتبرين أن هذه التبعية كانت سببًا رئيسيًا في تدني الأجور وتآكل الحقوق المالية.
خلفية اقتصادية وتناقض الأرقام
وتعود تبعية شركة السكر والصناعات التكاملية لوزارة التموين إلى عام 2014، عقب نقل القابضة للصناعات الغذائية من وزارة الاستثمار. وفي الوقت الذي يؤكد فيه العمال تراجع دخولهم وتآكل قدرتهم المعيشية، تشير تصريحات رسمية إلى أرقام إيرادات ضخمة، إذ قال الرئيس التنفيذي للشركة، صلاح فتحي، إن الشركة تستهدف تحقيق إيرادات إجمالية تصل إلى 55 مليار جنيه خلال السنة المالية المقبلة، بمعدل نمو 25% عن العام الحالي.
في المقابل، كشف مصدر مسؤول بالشركة أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات يتآكل بسبب الفارق الكبير بين تكلفة إنتاج كيلو السكر، التي تصل إلى نحو 35 جنيهًا، والسعر الذي تشتري به وزارة التموين كيلو السكر المدعم، والمقدر بنحو 12 جنيهًا فقط، وهو ما يلقي بظلاله على الأجور والحوافز، بحسب الإدارة.
جذور الأزمة وبداية الاحتجاجات
وانطلقت الموجة الحالية من الاحتجاجات، السبت الماضي، بإضرابات متزامنة في عدد من المصانع، شملت مصانع التقطير والمعدات والتكرير وفينوس بالجيزة، إضافة إلى مصانع إدفو بأسوان، ودشنا ونجع حمادي بقنا، احتجاجًا على عدم صرف نسبة الأرباح المستحقة عن العام الماضي، نتيجة تأجيل انعقاد الجمعية العمومية للشركة إلى أجل غير مسمى، رغم أنه كان مقررًا لها ديسمبر الماضي.
وأعلنت الإدارة لاحقًا عن موعد جديد لانعقاد الجمعية العمومية، ما أدى إلى تراجع الاحتجاجات مؤقتًا في بعض الفروع، قبل أن تعود بقوة أكبر، خاصة مع انضمام مصنعي الكيماويات والعطور بمجمع الحوامدية إلى الاحتجاجات، بالتزامن مع اجتماع مجلس إدارة الشركة مع وزير التموين، في محاولة للضغط من أجل الاستجابة الكاملة للمطالب.
سجل طويل من الاحتجاجات والانتهاكات
ولا تعد هذه الاحتجاجات الأولى من نوعها، إذ شهدت الشركة في أواخر أغسطس الماضي سلسلة من التحركات العمالية استمرت قرابة 20 يومًا، شملت وقفات وإضرابات في محافظات قنا والأقصر والجيزة وأسوان، وكان أبرزها إضراب عمال مصنعي السكر في إدفو وكوم إمبو، وانتهت حينها بوعود إدارية بتنفيذ بعض المطالب خلال شهر، واستكمال البقية خلال ثلاثة أشهر، مع الإعلان عن رفع ملف مصانع السكر إلى رئاسة الجمهورية.
إلا أن العمال يؤكدون أن تلك الوعود لم تُنفذ، بل أعقبها، بحسب إفاداتهم، ضغوط أمنية واستدعاءات لعدد من المحتجين. كما شهدت تلك الفترة فصل ثلاثة عمال من مصانع الجيزة في سبتمبر الماضي، فيما شهد مصنع كوم إمبو بمحافظة أسوان، في نوفمبر، واقعة مأساوية تمثلت في محاولة انتحار أحد العمال من أعلى أحد مراجل المصنع، بعد نقله تعسفيًا، إثر سؤاله رئيس الشركة عن موعد تنفيذ المطالب.

