أثار تشكيل رؤساء اللجان النوعية في مجلس النواب المصري موجة جديدة من الجدل، بعدما تحولت خريطة اللجان إلى ما يشبه «حكومة ظل» داخل البرلمان؛ بوجوه هي نفسها التي أخفقت – بنظر كثيرين – في إدارة ملفاتها عندما كانت وزراء.
فأن يتولى سامح شكري رئاسة لجنة العلاقات الخارجية، ومحمد سعفان لجنة القوى العاملة، ومحمد عباس حلمي لجنة الدفاع والأمن القومي، وطارق الملا لجنة الطاقة والبيئة، والسيد القصير لجنة الزراعة والري، وأشرف الشيحي لجنة التعليم والبحث العلمي، ومحمود شعراوي لجنة الإدارة المحلية؛ فهذا يعني أن السلطة التنفيذية لم تكتفِ بالتحكم في الحكومة، بل قررت أن تجلس على مقعد «الرقيب» أيضًا.
برلمان بملامح حكومة قديمة
تشكيل اللجان جاء بعد انتخابات برلمانية أُجريت نهاية العام الماضي، انتهت – كما كان متوقعًا – إلى أغلبية كاسحة داعمة للحكومة، وحضور محدود ومُحاصر لأي معارضة حقيقية. في هذا السياق، ترى د. عالية المهداواي، أستاذة العلوم السياسية، أن ما جرى ليس مجرد «اختيار خبرات»، بل تكريس لنموذج برلمان يُدار برجال السلطة التنفيذية نفسها.
توضح المهداواي – في قراءتها – أن إعادة تدوير الوزراء السابقين داخل اللجان النوعية «تغلق أي هامش للتجديد السياسي أو صعود وجوه برلمانية جديدة»، وتحوّل اللجان إلى غرف مغلقة لإدارة الملفات الحساسة بعيدًا عن أي صدام أو مساءلة. فوزير الخارجية الأسبق على رأس لجنة العلاقات الخارجية، ووزير النفط السابق على رأس الطاقة، ووزير الزراعة السابق على رأس الزراعة؛ يعني – ببساطة – أن نفس العقل الذي صاغ السياسات هو الذي سيتولى نظريًا مراقبتها.
وتشير إلى أن هذا التشكيل «يقتل فكرة التمثيل الشعبي من جذورها»، لأن الناخب لم يرسل إلى البرلمان «مجلس وزراء سابق»، بل نوابًا من المفترض أن يعبروا عن مصالح دوائرهم لا عن مصالح السلطة التنفيذية التي خدموا تحت قيادتها لسنوات.
رقابة معطّلة ومصالح متشابكة
على المستوى الرقابي، يصف د. مراد علي، الخبير في إدارة السياسات العامة، هذه الخريطة بأنها «إعلان صريح عن وفاة الدور الرقابي للبرلمان»، موضحًا أن جوهر الرقابة يقوم على المسافة بين مَن يضع السياسات ومَن يحاسب عليها، «أما في الحالة المصرية فالبرلمان صار غرفة أخرى من غرف مجلس الوزراء».
يُضيف علي أن تولي وزير سابق ملف الدفاع أو الطاقة أو الإدارة المحلية داخل لجنة برلمانية يعني وجود شبكة مصالح وعلاقات ممتدة داخل الجهاز التنفيذي، تجعل من الصعب – سياسيًا وأخلاقيًا – أن يفتح هذه الملفات بجدية أو يستدعي مسؤولين حاليين ويواجههم بالأرقام والقرارات التي شارك هو نفسه في صناعتها أو الاستفادة منها.
ويرى أن هذا الترتيب يخلق تضاربًا بنيويًا في المصالح: فكيف يمكن للجنة القوى العاملة برئاسة وزير سابق – ارتبط اسمه بسياسات يعتبرها العمال ظالمة – أن تتحول فجأة إلى منصة للدفاع عن حقوق العمال؟ وكيف للجنة التعليم برئاسة وزير سابق أن تفتح ملفات الفشل والتدهور في المنظومة، بينما جزء كبير من هذه التراكمات حدث خلال وجوده في قلب المشهد الوزاري؟
اقتصاد بلا محاسبة ولجان «مُسيّجة» ضد المجتمع
من زاوية اقتصادية، يعتبر الخبير هاني توفيق أن إدخال وزراء الاقتصاد والطاقة والزراعة السابقين إلى رئاسة اللجان النوعية «رسالة طمأنة خاطئة للأسواق، ورسالة أكثر سوءًا للمجتمع»، موضحًا أن المستثمر الجاد يحتاج برلمانًا يراقب ويحاكم السياسات الفاشلة، لا برلمانًا يعيد إنتاج نفس الأسماء التي شاركت في صناعة أزمة الدين، وتخبط سعر الصرف، وإدارة ملف الطاقة بمعزل عن الشفافية.
يلفت توفيق إلى أن لجنة الطاقة برئاسة وزير النفط السابق، ولجنة الزراعة برئاسة وزير الزراعة السابق، تعني عمليًا أن ملفات مثل بيع الأصول، أو منح الامتيازات، أو إدارة الثروات الطبيعية، ستناقَش داخل دوائر مغلقة بين رجال يعرفون بعضهم بعضًا، «لا يشعر أيٌّ منهم بأن عليه أن يشرح للرأي العام لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من العجز والديون».
أما د. سالي صلاح، الباحثة في شؤون الديمقراطية، فتصف التشكيل بأنه «جزء من عملية أوسع لتسييج البرلمان ضد المجتمع»، موضحة أن اللجان النوعية – في النظم الديمقراطية – هي البوابة التي تدخل منها منظمات المجتمع المدني، والخبراء المستقلون، والنقابات، للمشاركة في صياغة السياسات. «لكن حين تكون اللجنة برئاسة وزير سابق، وتضم أغلبية من نواب موالين، تتحول جلسات الاستماع إلى ديكور، وتُصبح مشاركة المجتمع مجرد ورقة تُستخدم لتجميل صورة قرارات جاهزة مسبقًا».
وتحذّر صلاح من أن استمرار هذا النهج سيُحوّل البرلمان بالكامل إلى ما يشبه «مجلس إدارة موسّع للنظام»، تُمرَّر عبره القوانين والاتفاقيات والسياسات التي تُصاغ داخل دوائر مغلقة، دون أدنى شعور بالحاجة إلى توافق أو حوار حقيقي مع المجتمع.
في المحصلة، لا يبدو تشكيل رؤساء اللجان النوعية مجرد اختيار أشخاص بعينهم، بقدر ما هو تكريس لنموذج حكم يرفض الفصل بين السلطات، ويصرّ على أن تكون يد السلطة التنفيذية ممدودة داخل البرلمان، تشكّل لِجانه، وتضبط إيقاعه، وتُحدِّد سقف ما يمكن أن يقال وما لا يمكن.
برلمان بهذه التركيبة لن يكون – كما يرى منتقدوه – بيتًا للأمة، بل ملحقًا سياسيًا لحكومة تستبدل الوزراء في مقاعدها، لكنها تُبقي سياساتهم ومصالحهم في مقاعد الرقابة أيضًا.

