في مؤشر جديد على سخونة المشهد في الخليج واحتمالات انزلاقه إلى مواجهة عسكرية واسعة، أكد ثلاثة دبلوماسيين لوكالة «رويترز» أن بعض الأفراد في قاعدة العديد الجوية التابعة للجيش الأمريكي في قطر، تلقّوا نصيحة بمغادرة القاعدة بحلول مساء الأربعاء، في خطوة وُصفت بأنها «تغيير في التموضع» وليست إجلاءً كاملاً، لكنها تكشف مستوى القلق من رد فعل إيراني محتمل على أي ضربة أمريكية مرتقبة.

 

وفي أول تعليق قطري غير مباشر، قال مكتب الاتصال الحكومي إن مثل هذه الإجراءات تُتخذ «في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة»، مؤكداً أن الدوحة تواصل اتخاذ «كافة الإجراءات اللازمة لضمان أمن وسلامة المواطنين والمقيمين… بما في ذلك التدابير المرتبطة بحماية منشآتها الحيوية والعسكرية».

 

انسحاب محدود أم إعادة تموضع قبل العاصفة؟

 

بحسب الدبلوماسيين الذين تحدثوا لـ«رويترز»، طُلب من بعض الأفراد مغادرة قاعدة العديد بحلول مساء اليوم، دون صدور إعلان رسمي من السفارة الأمريكية في الدوحة أو من وزارة الخارجية القطرية، في وقت تصف فيه مصادر غربية الخطوة بأنها «تغيير في التموضع وليس أمراً بالإجلاء الكامل».

 

مسؤولون أمريكيون أكدوا في تصريحات متوازية أن واشنطن بدأت سحب بعض الأفراد من عدد من قواعدها الكبرى في الشرق الأوسط كإجراء احترازي، وسط تقديرات استخباراتية تتحدث عن احتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران «في غضون أيام»، على خلفية تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل لحماية المحتجين في إيران.

 

قاعدة العديد، الواقعة جنوب غرب الدوحة، تُعد أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وتستضيف نحو 10 آلاف جندي، وتُمثّل المقرّ الأمامي لقيادة «سنتكوم» (القيادة المركزية الأمريكية)، ما يجعل أي تغيير في وضعها رسالة حساسة لإيران وحلفاء واشنطن في المنطقة على حد سواء.

 

تحذيرات إيرانية وضربة أمريكية “على الطاولة”

 

تزامن التسريب عن مغادرة بعض الأفراد من العديد مع تصريحات لمسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز»، قال فيها إن طهران حذّرت دول الجوار من أنها ستستهدف القواعد الأمريكية على أراضيها إذا أقدمت واشنطن على ضرب إيران.

 

هذا التحذير جاء بعد سلسلة رسائل من إدارة ترامب لوّحت فيها بخيارات «قوية للغاية» ضد النظام الإيراني، متذرعة بحملة القمع العنيف للاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ أسابيع، والتي وثّقت تقارير غربية ومنظمات حقوقية سقوط مئات القتلى خلالها.

 

تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن أن كل الإشارات الاستخباراتية والعسكرية تشير إلى أن ضربة أمريكية ضد أهداف إيرانية حساسة – وعلى رأسها المنشآت النووية – باتت “قريبة”، مع تحذيرات من أن أي هجوم من هذا النوع قد يفتح الباب لموجة من الضربات المتبادلة تشمل قواعد أمريكية في الخليج والعراق وسوريا.

 

الرسالة الإيرانية إلى دول الخليج واضحة: استضافة قوات أمريكية قد تجعل هذه الدول في قلب بنك الأهداف، وهو ما يفسّر – بحسب مراقبين – لجوء واشنطن إلى تقليص أعداد غير الضروريين في قواعدها الأمامية، وتقليل المخاطر على المدنيين وعوائل العسكريين في حال تصعيد مفاجئ.

 

قاعدة العديد في قلب المواجهة… وذاكرة صواريخ يونيو حاضرة

 

القاعدة نفسها كانت هدفًا مباشرًا في يونيو الماضي، حين أطلقت إيران صواريخ على العديد بعد أن شنت الولايات المتحدة ضربات جوية على ثلاثة مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، في إطار حرب استمرت 12 يومًا وشاركت فيها إسرائيل وواشنطن بشكل مباشر. ورغم أن الضربات لم توقع خسائر بشرية في القاعدة القطرية، فإنها كرّستها بوصفها هدفًا مركزيًا في أي مواجهة مقبلة بين إيران والولايات المتحدة.

 

آنذاك، كانت واشنطن قد نقلت مسبقًا بعض الأفراد وعائلاتهم من قواعد في المنطقة قبل الضربات، في سيناريو يبدو أن البنتاغون يعيد تطبيقه الآن: نقل جزئي للأفراد، رفع حالة التأهب، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي حول القواعد الحيوية، مع إبقاء البنية القتالية الأساسية في مواقعها.

 

اليوم، ومع استمرار الحديث عن «احتمال ضربة أمريكية جديدة» ضد إيران، عادت قاعدة العديد إلى الواجهة، ليس فقط لكونها أكبر تجمع عسكري أمريكي في الشرق الأوسط، بل لأنها مركز قيادة عمليات الطيران والعمليات اللوجستية تجاه الخليج والعراق وسوريا، ما يجعلها نقطة ارتكاز لأي حملة عسكرية، وفي الوقت نفسه هدفًا أول على قائمة الرد الإيراني.

 

خلفية المشهد: احتجاجات إيران، تهديدات ترامب، واحتمال انفجار إقليمي

 

في الخلفية، تتواصل الاحتجاجات داخل إيران على تدهور الأوضاع الاقتصادية والقمع السياسي، مع تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى خلال فترات قطع الإنترنت. إدارة ترامب تبنّت خطابًا داعمًا للمحتجين، ووعد الرئيس الأمريكي بأن «المساعدة في الطريق»، كما حذّر من «إجراءات قوية جدًا» إذا استمرّ ما وصفه بـ«القتل المنهجي» للمتظاهرين.

 

في المقابل، حذّرت طهران من أن أي ضربة أمريكية ستُواجَه بـ«ردّ حاسم» ضد القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، مع رسائل موجهة لكل من إسرائيل ودول الخليج. تقارير إسرائيلية وأمريكية تتحدث عن أن تل أبيب ترفع بدورها درجة التأهب، وتتوقع تدخلًا أمريكيًا ما، رغم عدم وضوح توقيته وحدوده حتى الآن.

 

بين ضغوط الشارع الإيراني، وتهديدات البيت الأبيض، وتحركات عسكرية أمريكية حذرة في الخليج، تبدو قاعدة العديد القطرية مرة أخرى في قلب عاصفة جيوسياسية جديدة؛ انسحاب جزئي اليوم، وربما تعزيز عسكري غدًا، في مشهدٍ تتقاطع فيه رسائل الردع، وحسابات الحلفاء، ومخاطر خطأ واحد قد يشعل مواجهة إقليمية لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها.