يواجه النظام العالمي المعاصر لحظة تاريخية فارقة، تتسم بتشابك غير مسبوق بين أزمات كانت تبدو في السابق منفصلة جغرافياً واستراتيجياً.

 

نحن لا نعيش مجرد توترات حدودية في شرق أوروبا أو اضطرابات سياسية في الشرق الأوسط، بل نشهد تلاحماً عضوياً بين "البركان الإيراني" المشتعل داخلياً وخارجياً، وبين "المطحنة الأوكرانية" التي تحولت إلى ساحة اختبار لأسلحة الجيل القادم.

 

هذا التقرير يحلل كيف تحولت طهران وموسكو إلى جبهة واحدة، وأثر ذلك على توازن القوى العالمي.

 

إيران وأوكرانيا: الجبهات الخلفية لحرب واحدة

 

لم يعد خافياً أن الطائرات المسيرة من طراز "شاهد" التي تضرب البنية التحتية في كييف، والتقنيات العسكرية الروسية التي تعزز دفاعات طهران، هما خيوط في نسيج استراتيجي واحد.

 

هذا "تحالف الضرورة" بين موسكو وطهران تجاوز التعاون التكتيكي ليصبح ركيزة بقاء لكلا النظامين؛ فروسيا التي تخوض حرب استنزاف طويلة ضد الناتو في أوكرانيا، وجدت في المسيرات والصواريخ الإيرانية سلاحاً فعالاً ومنخفض التكلفة لتعويض النقص في مخزونها.

 

في المقابل، تستخدم إيران هذا التحالف لكسر عزلتها الدولية والحصول على غطاء دبلوماسي وتقني من قوة عظمى، خاصة في ظل تعرضها لضربات إسرائيلية عميقة طالت قلب منشآتها الدفاعية في طهران.

 

إن ما يحدث في شوارع إيران من احتجاجات عارمة ضد نظام يعاني اقتصادياً، يرتبط بشكل غير مباشر بساحة المعركة في أوكرانيا؛ فضعف النظام في طهران يعني قطع شريان التوريد العسكري عن موسكو، وهو ما يجعل الكرملين معنياً باستقرار النظام الإيراني بقدر اهتمامه بالسيطرة على إقليم دونباس.

 

تصعيد التكنولوجيا: من "أوريشنيك" إلى "ستارلينك"

 

دخل الصراع مرحلة "تكنولوجيا الحسم"، حيث لم يعد السلاح مجرد قوة نيران، بل قدرة على شل إرادة الخصم. في أوكرانيا، يمثل استخدام صاروخ "أوريشنيك" الفرط صوتي رسالة روسية مرعبة تتجاوز الميدان الأوكراني لتصل إلى عواصم الناتو، مفادها أن قواعد الاشتباك القديمة قد انتهت.

 

هذه الاستراتيجية الروسية القائمة على "تجميد" الخصم عبر ضرب قطاعات الطاقة والتدفئة، باتت نموذجاً تراقبه القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث قد تجد إسرائيل في هذا الأسلوب وسيلة لشل قدرات إيران دون الحاجة لغزو بري.

 

على الجبهة الأخرى، نجد أن الحرب الإلكترونية باتت السلاح الأكثر تأثيراً في الداخل الإيراني. عندما يتم تفعيل نظام "ستارلينك" لكسر الحصار الرقمي الذي يفرضه النظام على المتظاهرين، يتحول الفضاء السيبراني إلى جبهة قتال حقيقية.

 

هنا تتقاطع الأزمات مجدداً؛ فالقدرة التقنية الغربية التي تدعم المعارضة الإيرانية هي ذاتها التي تمد أوكرانيا ببيانات الاستخبارات الفورية، مما يضع القوى "المتمردة" على النظام العالمي (روسيا وإيران) في حالة دفاع مستمر ضد تفوق تكنولوجي يسعى لتقويض شرعيتها من الداخل والخارج.

 

سيناريوهات الانفجار الكبير وهامش الخطأ المعدوم

 

إن العالم اليوم يتحرك في مساحة ضيقة جداً حيث يغيب "هامش الخطأ".

 

السيناريو الأكثر خطورة يكمن في "العدوى الاستراتيجية"؛ فإذا قررت إيران الهروب من أزماتها الداخلية عبر تصعيد عسكري شامل مع إسرائيل أو إغلاق ممرات الملاحة الدولية، فإن واشنطن ستضطر لتحويل مواردها العسكرية والسياسية نحو الشرق الأوسط، مما يمنح بوتين الفرصة الذهبية لتحقيق اختراق حاسم في أوكرانيا.

 

هذا الترابط يعني أن أي تهدئة في جبهة قد تؤدي بالضرورة إلى انفجار في الأخرى، أو العكس. فإذا توصلت الإدارة الأمريكية إلى تفاهمات هشة في أوكرانيا، فقد تتفرغ تماماً لإنهاء "الملف الإيراني"، وهو ما تدركه طهران جيداً وتعمل على منعه عبر استمرار استنزاف الغرب في الجبهة الأوروبية.

 

نحن أمام "فوضى منظمة" تتشكل فيها خريطة العالم الجديد، حيث لم تعد الأزمات تُحل بشكل منفرد، بل أصبحت جزءاً من صراع كلي على قيادة النظام الدولي، مما يجعل "الهاوية" احتمالاً قائماً إذا لم تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل هذا التشابك المتفجر.