في مشهد لا يخلو من مفارقة ساخرة، خرج ضياء رشوان، اليساري السابق والعضو التاريخي في حزب التجمع، ليؤدي دورًا أقرب إلى شخصية «الشيخ حسني» في فيلم الكيت كات، لا بوصفه معارضًا كفيفًا يرى ما لا يراه الآخرون، بل كموظف رسمي أعمته السلطة، فانقلب كلامه إلى اعتراف سياسي يفضح ما تبقى من وهم يُسمّى «المعارضة المدنية».

 

تصريحات رشوان الأخيرة لم تلمّع المشهد السياسي كما أراد، بل كشفت، من حيث لا يدري، هشاشته، وأعادت فتح ملف الدور الذي لعبته هذه المعارضة في تمهيد الطريق لانقلاب 3 يوليو، ثم ارتهانها لاحقًا لمنظومة الحكم التي ادعت يومًا مناهضتها.

 

من يساري معارض إلى مترجم رسمي للسلطة

 

بدأ رشوان مسيرته في صفوف اليسار، وراكم حضوره العام عبر عمله باحثًا في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، حيث قدّم نفسه لسنوات باعتباره «خبيرًا محايدًا» في شؤون الإسلام السياسي.

لكن نجوميته الحقيقية لم تتشكل إلا في ظل اهتمام جماهير جماعة الإخوان المسلمين بكتاباته وتحليلاته، قبل أن يتحول هذا الاهتمام نفسه إلى مادة ارتزاق بعد ثورة يناير، حين صار «خبيرًا في نقد الإخوان» بالطلب.

 

هذا المسار لم يستغرق طويلًا.

 

فمع التحولات الإقليمية وفتح قنوات الدعم الخليجي، وتحديدًا الإماراتي، انتقل رشوان إلى موقع جديد: رجل موثوق لدى السلطة، ومترجم سياسي رسمي لخطابها في الداخل والخارج.

 

مكافأة هذا التحول جاءت سريعًا عبر مناصب أغدقها عليه عبد الفتاح السيسي، أبرزها رئاسة هيئة الاستعلامات، ليصبح جزءًا من ماكينة تبرير نظام يفتقد الشرعية الشعبية.

 

«32 نائبًا معارضًا»… تصريح يفضح صاحبه

 

الجديد في المشهد ليس انحياز رشوان، فهذا بات من المسلّمات، وإنما ما حملته تصريحاته الأخيرة من فضيحة غير مقصودة.

فقد ادّعى، عبر منشور على «فيسبوك»، أن 32 عضوًا من الحركة المدنية الديمقراطية فازوا بمقاعد في البرلمان، في محاولة واضحة لتسويق مشهد انتخابي مُصادَر، وإيهام الرأي العام بوجود معارضة فاعلة تحت القبة.

 

غير أن الحركة نفسها سارعت إلى تكذيبه، مؤكدة أن ما ذكره «معلومة غير صحيحة»، وأن الغالبية الساحقة ممن أشار إليهم رشوان ترشحوا ضمن «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي شكّلتها أحزاب الموالاة للنظام، وعلى رأسها حزب مستقبل وطن.

وأوضحت الحركة أن هذه القائمة استخدمت المال السياسي والرشاوى الانتخابية، بعد إقصاء باقي القوائم دون أسباب قانونية.

 

الأخطر في بيان الحركة لم يكن النفي فقط، بل الاعتراف بأن هذه القائمة، رغم الدعم الأمني والمالي، لم تحصد سوى نحو 11% من إجمالي المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين، في شهادة صريحة على فشل المسرحية الانتخابية التي يحاول رشوان تجميلها.

 

المعارضة التي مهّدت للانقلاب

 

ما لم يقله رشوان صراحة، لكنه انكشف من خلال تصريحاته، أن «الحركة المدنية» نفسها كانت جزءًا أصيلًا من مشهد الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي. فقد لعبت جبهة الإنقاذ، التي ضمّت قوى ليبرالية ويسارية، دور الغطاء المدني للعسكر في 2013، قبل أن تكتشف لاحقًا أنها مجرد أداة جرى التخلص منها.

 

المفارقة أن هيئة الاستعلامات، برئاسة رشوان، ذهبت أبعد من ذلك، حين ادعت أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعدًا (10%)، و158 مقعدًا مع المستقلين (28%). تجاهلت الهيئة أن غالبية هؤلاء «المستقلين» هم في الأصل كوادر أحزاب السلطة، وعلى رأسها مستقبل وطن، ترشحوا بصفة مستقلة لأسباب تنظيمية.

 

كما صُنّفت أحزاب مثل حزب الوفد و**حزب النور** كأحزاب معارضة، رغم أن سجل نوابهما منذ 2015 يكشف تأييدًا شبه مطلق لسياسات الحكومة، دون استجواب واحد جاد أو ممارسة حقيقية لأدوات الرقابة البرلمانية.

 

ملهاة سياسية مكتملة الأركان

 

في المحصلة، لعب ضياء رشوان دور «الشيخ حسني» مرة أخرى، لكن على نحو أكثر فجاجة. لم يفضح السلطة وحدها، بل عرّى أيضًا معارضة ورقية كانت شريكًا في الانقلاب، ثم تباكت لاحقًا على هامش صنعته بيديها. إنها ملهاة سياسية مكتملة الأركان: يساري سابق تحوّل إلى رجل سلطة، ومعارضة فقدت دورها، ونظام يستخدم الجميع لتجميل واقع سياسي مغلق.

 

وبينما يظن رشوان أنه يدافع عن «تعددية» شكلية، جاءت كلماته اعترافًا غير مقصود بزيف السياسة في مصر اليوم، حيث لا معارضة حقيقية، ولا انتخابات ذات معنى، بل مشهد مُدار بعناية، ينكشف كلما تحدّث أحد أبطاله أكثر مما ينبغي.