جدّدت حكومة السيسي تحذيرها من أي إجراءات أحادية في حوض نهر النيل الشرقي، مؤكدة رفضها المساس بما تصفه بحقوقها التاريخية في المياه، ومعلنة تمسكها بكافة الأدوات التي يتيحها القانون الدولي لحماية أمنها المائي.
البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية المصرية ووزارة الموارد المائية والري المصرية حمل نبرة حازمة، لكنه أعاد في الوقت نفسه طرح سؤال قديم جديد: هل لا يزال هذا الخطاب قادرًا على حماية مصالح مصر المائية، أم أنه بات مجرد تكرار دبلوماسي يغطي عجزًا سياسيًا واستراتيجيًا في أخطر قضية وجودية تواجه الدولة؟
لغة التحذير.. استمرار الخطاب وغياب النتائج
البيان الحكومي أكد أن مصر تتابع تطورات ملف المياه عن كثب، وأنها لن تقبل بإجراءات منفردة من دول المنبع، مشددًا على ضرورة الالتزام بمبادئ الشراكة وعدم الإضرار.
كما أشار إلى تنسيق مستمر بين بدر عبدالعاطي و**هاني سويلم** على المستويين الإقليمي والدولي.
غير أن هذه اللغة، على قوتها اللفظية، لم تعد جديدة على الرأي العام.
فمنذ سنوات، تصدر القاهرة بيانات مماثلة، تؤكد الرفض والتحذير والتمسك بالحقوق، دون أن يقترن ذلك بتحول ملموس في مسار الأزمة.
ومع تكرار البيانات، تتآكل مصداقية الخطاب الرسمي، ويزداد الانطباع بأن الدولة تدير الملف بردود فعل محسوبة، لا برؤية استراتيجية شاملة قادرة على فرض واقع تفاوضي جديد.
التحذير، في ذاته، لا يصنع سياسة، والتمسك بالحقوق لا يحميها ما لم يُدعَّم بأدوات ضغط فعّالة، وهو ما لم يظهر حتى الآن بشكل واضح.
سد النهضة.. من أزمة تفاوض إلى اختبار سيادة
يرتبط التحذير المصري مباشرة بملف سد النهضة، الذي تحوّل من مشروع تنموي إثيوبي إلى أكبر اختبار للأمن المائي والسيادة السياسية في المنطقة.
فالقاهرة ترى أن تشغيل السد وملأه دون اتفاق قانوني ملزم يمثّل تهديدًا مباشرًا لها، خاصة في ظل اعتمادها شبه الكامل على مياه النيل.
لكن الواقع يكشف أن الأزمة لم تعد فنية أو قانونية فقط، بل سياسية بامتياز.
فقد أخفقت الدولة المصرية في تدويل القضية بشكل فعّال، ولم تنجح في تحويل الإجماع النظري حول مبادئ عدم الإضرار إلى التزام عملي ملزم.
كما أن مسار التفاوض الطويل، الذي دار في غرف مغلقة وبلا شفافية داخلية، أضعف القدرة على بناء جبهة داخلية داعمة، وأبقى المجتمع خارج معادلة القرار في قضية تمس حياته اليومية ومستقبله.
الأخطر أن الخطاب الرسمي يركّز على تحميل دول المنبع مسؤولية الإجراءات الأحادية، دون مراجعة جادة لأداء الدولة نفسها في إدارة الملف منذ بدايته، ودون مساءلة سياسية عن الخيارات التي أُهدرت والفرص التي ضاعت.
الأمن المائي بين التحديات المناخية وسوء الإدارة
تواجه مصر ضغوطًا متزايدة على مواردها المائية نتيجة تغيّرات مناخية وتزايد الطلب وامتداد الاستخدامات الزراعية والعمرانية.
لكن هذه التحديات الطبيعية تتضاعف بفعل سياسات داخلية مرتبكة، تتعامل مع المياه بوصفها ملفًا فنيًا معزولًا، لا قضية أمن قومي شامل.
الحديث الرسمي عن الإدارة العادلة والمتوازنة للموارد المائية في حوض النيل يبدو منطقيًا، لكنه يصطدم بواقع إقليمي شديد التعقيد، وبضعف أدوات التأثير المصري.
كما أن التركيز على القانون الدولي، رغم أهميته، لا يكفي وحده في منطقة تحكمها موازين القوة والمصالح، لا النصوص فقط.
في هذا السياق، يبدو التحذير الأخير أقرب إلى رسالة طمأنة داخلية، منه إلى ورقة ضغط خارجية.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها تحمّل أعباء اقتصادية قاسية باسم الأمن القومي، مطالَبة أولًا بإظهار كفاءة سياسية في إدارة أخطر ملف يمس هذا الأمن.
وأخيرا فانه يعكس التحذير المصري من الإجراءات الأحادية في حوض النيل إدراكًا رسميًا لخطورة اللحظة، لكنه في الوقت نفسه يفضح مأزقًا ممتدًا في إدارة ملف المياه.
فالقضية لم تعد تحتمل بيانات متكررة ولا تحذيرات دبلوماسية بلا أثر.
إن حماية الأمن المائي المصري تتطلب ما هو أكثر من لغة صارمة؛ تتطلب رؤية شاملة، وشفافية داخلية، ومحاسبة سياسية، وأدوات ضغط حقيقية، إقليميًا ودوليًا.
أما الاكتفاء بتجديد المواقف ذاتها، في ظل واقع يتغير سريعًا، فلا يعني سوى ترك أخطر شريان حياة للبلاد رهينة لسياسات الآخرين، بينما يكتفي الخطاب الرسمي برفع الصوت دون أن يغيّر المسار.

