وافق مجلس الوزراء المصري مؤخرًا على مشروعي اتفاقيتين مع مملكة إسبانيا؛ الأولى تتعلق بتسليم المجرمين، والثانية خاصة بالمساعدة القضائية المتبادلة في المواد الجنائية . وبينما تُغلّف الحكومة هذه الخطوة بإطار الدبلوماسية القضائية المعتاد، فإن توقيت وسياق هذه الاتفاقيات يثيران مخاوف مشروعة حول توظيفها كأداة سياسية جديدة لملاحقة المعارضين المصريين المقيمين في أوروبا، تحت عباءة التعاون الجنائي الدولي .
ذراع طولى للقمع العابر للحدود
لطالما سعت حكومة الانقلاب إلى تمديد نفوذها الأمني خارج الحدود المصرية، مستخدمة أدوات متعددة تبدأ من النشرات الحمراء للإنتربول وصولًا إلى الاتفاقيات الثنائية . وتأتي الاتفاقية مع إسبانيا لتكمل حلقة من التحركات الهادفة إلى تضييق الخناق على أي صوت معارض نجح في الإفلات من القبضة الأمنية داخل مصر.
الخطورة تكمن في التعريف المطاط لمصطلح "مجرمين" و"قضايا جنائية" في القاموس الأمني المصري الحالي، حيث يتم تكييف القضايا السياسية وقضايا الرأي بصبغة جنائية أو إرهابية لضمان انطباق شروط التسليم الدولية عليها . وبالتالي، فإن هذه الاتفاقيات قد تتحول عمليًا إلى "غطاء قانوني" يسمح للنظام بطلب تسليم نشطاء سياسيين أو حقوقيين مقيمين في إسبانيا، بدعوى تورطهم في قضايا ملفقة لا علاقة لها بالعمل السياسي المباشر، مما يهدد بتحويل العواصم الأوروبية من ملاذات آمنة إلى مصائد للمعارضة.
إسبانيا.. ساحة جديدة للاستهداف؟
اختيار إسبانيا تحديدًا لم يأتِ من فراغ؛ فهي تُعد إحدى الوجهات الهامة لعدد من المعارضين المصريين ونقطة ارتكاز حقوقية في جنوب أوروبا. توقيع اتفاقية ملزمة لتسليم المطلوبين يفتح الباب أمام النظام المصري لتقديم ملفات قانونية مُعدّة بعناية لأجهزة القضاء الإسباني، الذي قد يتعامل معها من منظور إجرائي بحت دون النظر إلى الخلفيات السياسية المعقدة أو طبيعة التقاضي المسيس في مصر .
تثير هذه الخطوة قلقًا حقوقيًا من أن تكون مدريد قد رضخت لضغوط دبلوماسية أو مصالح اقتصادية مع القاهرة على حساب التزاماتها الحقوقية الأوروبية. فالسجل الحقوقي للنظام المصري، المليء بالانتهاكات والمحاكمات الجائرة، يجعل أي تعاون قضائي في مجال تسليم الأفراد محفوفًا بمخاطر التعذيب والاختفاء القسري بمجرد وصول المُسلَّم إلى الأراضي المصرية، وهو ما يتعارض جوهريًا مع المواثيق الأوروبية لحقوق الإنسان .
رسالة ترهيب للمعارضة في المنفى
ما وراء الخبر الرسمي يتجاوز مجرد الإجراءات القانونية؛ إنه رسالة تخويف مباشرة للمصريين في الخارج. النظام يريد إيصال فكرة مفادها: "لا مكان آمن لكم، ويدنا ستطالكم حتى في أوروبا". السعي لإبرام هذه الاتفاقيات يعكس هوسًا أمنيًا بإسكات كل صوت ناقد، وعدم الاكتفاء بالقمع الداخلي، بل تصديره للخارج عبر "شرعنة" الملاحقات .
تأتي هذه التحركات بالتوازي مع استراتيجية أوسع تشمل رفض تجديد جوازات السفر للقنصليات، ومضايقة أهالي المعارضين في الداخل، والآن محاولة استخدام القضاء الدولي كأداة قمع. الهدف النهائي هو خلق حالة من الشلل والذعر في أوساط الجاليات المصرية المعارضة، ودفع النشطاء للصمت خوفًا من الترحيل أو الملاحقة القانونية في بلاد المهجر.
واخيرا فانه، لا يمكن قراءة موافقة مجلس الوزراء على اتفاقيتي تسليم المجرمين مع إسبانيا إلا في سياق سياسات النظام القمعية المستمرة . إن حكومة الانقلاب، التي فشلت في إدارة ملفات الاقتصاد والخدمات، تنجح بامتياز في هندسة أدوات البطش وتطويرها لتصبح عابرة للقارات. وإذا لم يتنبه المجتمع الحقوقي الدولي والقضاء الإسباني لطبيعة الملفات التي ستقدمها القاهرة، فإننا سنكون أمام انتكاسة حقوقية خطيرة تُشرعن تسليم السياسيين تحت لافتة "مكافحة الجريمة"، مما يؤكد أن هذا النظام لا يرى في القانون إلا أداة لترسيخ سلطته وتصفية خصومه، أينما وجدوا.

