تتجه حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، عبر هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، إلى تنفيذ واحدة من أخطر عمليات نزع الأرض والاقتلاع السكاني في تاريخ مطروح الحديث، مع الاستعداد لإخلاء منطقتي سملا وعلم الروم ونقل سكانهما قسرًا إلى ما يُعرف بـ«الغابة الشجرية»، تمهيدًا لتسليم الأرض إلى شركة الديار القطرية ضمن مشروع استثماري ضخم تُقدَّر قيمته بـ29.7 مليار دولار.
ورغم الترويج الرسمي لهذه الخطوة باعتبارها «تنمية عمرانية» و«إعادة تسكين حضارية»، فإن الواقع يكشف عن سياسة ممنهجة لبيع الأرض المصرية للمستثمرين الأجانب، مقابل تهجير الأهالي وتجريدهم من أراضيهم وتاريخهم ومصادر رزقهم، في نموذج يعيد إنتاج مشاهد الوراق وماسبيرو ورأس الحكمة، حيث تُدار التنمية لصالح رأس المال لا المواطن.
صفقة مطروح.. مليارات الدولارات مقابل اقتلاع السكان
في نوفمبر الماضي، وقّعت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة اتفاقية مع شركة الديار القطرية، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، لتنفيذ مشروع عمراني وسياحي ضخم شرق مرسى مطروح. وبحسب ما أُعلن، حصلت مصر بالفعل على 3.5 مليارات دولار نقدًا كدفعة أولى، في حين يجري الترتيب لتسليم باقي الأراضي وبدء مرحلة التنفيذ، بعد الإعلان المرتقب عن المطور العام للمشروع.
لكن هذه «الصفقة الذهبية» لم تأتِ من فراغ، بل على حساب قرى قائمة وسكان يعيشون على هذه الأراضي منذ عقود. فبالتوازي مع تسلّم الأموال، بدأت أعمال ترفيق مكثفة في منطقة الغابة الشجرية، لا بهدف تنمية مطروح لأهلها، بل لاستيعاب السكان المُهجَّرين من سملا وعلم الروم. أي أن الدولة لا تطور القرى، بل تُفرغها، ولا تُشرك الأهالي في المشروع، بل تُزيحهم ليحل المستثمر الأجنبي محلهم.
السؤال الذي يتجاهله الخطاب الرسمي هو: لماذا تُمنح الأرض لمستثمر أجنبي بينما يُجبر أصحابها الأصليون على الرحيل؟ ولماذا تصبح مطروح، بتاريخها وسكانها، مجرد أصل عقاري يُباع ويُشترى، بينما يُختزل المواطن في «حالة تسكين» يمكن نقلها من مكان إلى آخر بلا اعتبار للهوية أو الجذور؟
«إعادة تسكين» أم تهجير قسري بواجهة قانونية؟
تُصرّ الحكومة على استخدام مصطلح «إعادة تسكين» لتجميل عملية تهجير واضحة المعالم. فالأهالي، بحسب الرواية الرسمية، سيحصلون على وحدات بديلة وتعويضات مالية، وكأن الأرض التي عاشوا عليها مجرد مبانٍ يمكن تعويضها بشقة إسمنتية في موقع آخر. غير أن تجارب السنوات الماضية تكشف أن هذا الخطاب ليس سوى غطاء قانوني لسياسات الإقصاء.
في جزيرة الوراق، قُدِّم التطوير بوصفه مشروعًا قوميًا، لكنه انتهى بصدامات واعتقالات وضغوط دفعت كثيرين للتنازل عن أرضهم. في مثلث ماسبيرو، نُقلت آلاف الأسر إلى الأسمرات وغيرها، بينما عاد عدد محدود فقط إلى المنطقة بعد إعادة بنائها، لتتحول «العودة» إلى استثناء لا قاعدة. وفي رأس الحكمة، تكررت الوعود ذاتها حول التعويض والتنمية، وسط مخاوف واسعة من تهميش السكان المحليين لصالح استثمارات خليجية بمليارات الدولارات.
ما يجري في سملا وعلم الروم ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من «التهجير المقنّع»، حيث تُنتزع الأرض باسم التطوير، ويُترك الأهالي أمام خيارين: القبول بالأمر الواقع أو الاصطدام بآلة الدولة. والنتيجة دائمًا واحدة: تفريغ الأرض من أهلها، وتحويلها إلى مشروع مغلق لا مكان فيه لأصحابها الأصليين.
التنمية لمن؟ مطروح نموذج لاقتصاد الإقصاء
يدافع مسؤولو النظام عن هذه السياسات باعتبارها ضرورة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير العملة الصعبة، لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: تنمية لمن؟ فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم الاستثمارات فقط، بل بقدرتها على تحسين حياة السكان المحليين، والحفاظ على نسيجهم الاجتماعي، وضمان مشاركتهم في العائد الاقتصادي.
خبراء التخطيط العمراني يؤكدون أن المشكلة ليست في الاستثمار ذاته، بل في النموذج الذي يعتمده النظام، والذي يقوم على بيع الأرض خامًا للمستثمر، دون اشتراط دمج الأهالي أو منحهم أولوية في العمل أو حصة في المشروع. بهذا المعنى، تتحول التنمية إلى أداة لإعادة توزيع الأرض والثروة من الفقراء إلى الأغنياء، ومن المواطنين إلى الشركات العابرة للحدود.
قضية مطروح تكشف بوضوح كيف يُدار الاقتصاد في عهد السيسي: بيع الأصول، تهجير السكان، إنفاق العائد على مشاريع ضخمة بلا جدوى اجتماعية، ثم البحث عن صفقة جديدة لسد فجوة جديدة. وفي كل مرة، يكون المواطن هو الخاسر الأكبر، يُطلب منه التضحية بالأرض والبيت والتاريخ، باسم «المصلحة العامة» التي لا تعود عليه بشيء.
وفي النهاية فما يحدث في سملا وعلم الروم ليس مجرد مشروع استثماري، بل جريمة اجتماعية مكتملة الأركان، تُضاف إلى سجل طويل من سياسات الإقصاء وبيع الأرض. فبينما تُفتح مطروح للمستثمرين القطريين بمليارات الدولارات، يُغلَق المستقبل في وجه أهلها، ويُدفعون إلى الهامش تحت لافتة «إعادة التسكين». إنها تنمية بلا عدالة، واستثمار بلا وطن، ونموذج يؤكد أن الأرض في مصر لم تعد لأصحابها، بل لمن يملك القدرة على الدفع، مهما كان الثمن الإنساني والاجتماعي.

