استيقظ الوسط الرياضي المصري على صدمة قاسية لا تقل فداحة عن جرائم الإهمال المعتادة في مؤسسات الدولة. مات السباح الشاب جون ماجد، أحد أبطال ذوي الهمم، بعد 14 يومًا من الصراع مع الموت داخل غرفة العناية المركزة، إثر تعرضه لإهمال جسيم داخل حمام السباحة في نادي كبير بمصر الجديدة.

 

لم يمت جون بسبب مرضٍ عضال أو حادثٍ غامض، بل مات لأن النظام الرياضي كله—من الاتحاد إلى النادي إلى وزارة الشباب—تحوّل إلى ماكينة من الفساد والتهرب من المسؤولية. قصة جون ليست مأساة فردية، بل مرآة قاتمة لمنظومة تسحق الموهوبين وتتركهم يغرقون في مياه الإهمال كما تغرق البلاد في محيطٍ من اللامبالاة.

 

الإهمال يقتل بطلًا شابًا من ذوي الهمم

 

في منتصف ديسمبر الماضي، نزل جون البالغ 18 عامًا إلى حمام السباحة كعادته ليؤدي تدريباته اليومية. يعاني من التوحد لكنه كان مثالًا للإصرار والمثابرة، يحلم بأن يرفع علم مصر في البطولات الدولية لذوي الاحتياجات الخاصة. لكن حلمه انكسر في لحظة إعياء داخل الماء، حين سقط فجأة فاقدًا الوعي وتشنج جسده، أمام أنظار المدربين والإداريين الذين عجزوا عن إنقاذه في الوقت المناسب.

 

والدته قالت إن ابنها فقد الوعي مرتين متتاليتين دون أي تدخل فوري لإنقاذه، بل تُرك داخل المسبح حتى ابتلع كميات كبيرة من المياه، قبل أن يُنقل على مقعد متحرك بطريقة مهينة وغير آمنة. الشهود أكدوا أنه سقط من المقعد وأصيب في الرأس، ما تسبب في تدهور حالته العصبية. وصل إلى المستشفى بقلب متوقف، وتمكن الأطباء من إنعاشه بعد 30 دقيقة، لكن الأوان كان قد فات—فالدماغ توقف نهائيًا بسبب نقص الأكسجين. بقي أسبوعين على أجهزة التنفس الصناعي، ثم رحل بصمت، تاركًا خلفه بلدًا يصفق للأوهام ويقتل أبطاله بالإهمال.

 

هذه الفاجعة ليست استثناءً، بل تتكرر في كل نادٍ وصالة وبطولة بسبب غياب منظومة إنقاذ حقيقية. ففي أكتوبر الماضي غرق السباح الناشئ يوسف محمد، لاعب نادي الزهور، ابن الثانية عشرة، أثناء بطولة الجمهورية دون أن يكون حوله منقذ مؤهل أو تجهيزات طوارئ. الحوادث تتكرر، والبيانات الرسمية تتكرر، لكن أحدًا لا يُحاسب.

 

منظومة رياضية فاسدة تحكمها المجاملات لا الكفاءة

 

لا يمكن فهم ما يحدث باعتباره "حادثًا عرضيًا". فالتقصير ممنهج، ناتج عن فساد إداري مزمن في اتحاد السباحة والأندية والوزارة نفسها. كيف لنظام يدّعي التنظيم أن يسمح بتدريب ذوي الهمم دون إشراف طبي دائم أو تجهيزات إسعاف؟

 

التحقيقات السابقة في وفاة يوسف كشفت مخالفات كثيرة، منها غياب المنقذين، وعدم توافر طبيب طوارئ، وترك الأطفال يتدربون في ظروف غير آمنة. ومع ذلك، ظل الاتحاد برئاسة ياسر إدريس في موقعه حتى قررت النيابة العامة أخيرًا إحالته ومسؤولين آخرين إلى المحاكمة الجنائية.

 

وزارة الشباب والرياضة، التي تزعم الحرص على حياة الرياضيين، لم تتحرك إلا عندما اشتعل الرأي العام. فبدلًا من تطوير منظومة الأمان، لجأت إلى لجان مؤقتة وتصريحات رنانة وبيانات عن "التواصل مع الاتحاد الدولي"، كما لو كانت القضية أزمة علاقات عامة لا دماء بشرية.

 

منظومة الرياضة في مصر تحكمها العلاقات لا القوانين: المدرب يتولى في لجنة، والمسؤول يتستر على زميله، والنادي يوظف الأقارب بدلاً من المتخصصين. إن بطولة ذوي الهمم التي يفترض أن تكون عنوانًا للوعي الإنساني، أصبحت ساحة إهمال لا تعرف العدالة ولا المهنية.

 

دماء الأبطال تصرخ: العدالة مؤجلة والمحاسبة غائبة

 

رحيل جون ماجد أعاد للأذهان سؤالًا مؤلمًا: كم روحًا يجب أن تُزهق حتى يدرك المسؤولون أن الدماء ليست ثمنًا للإهمال؟ الشاب الذي تحدّى إعاقته ليصبح بطلًا في الماء، لم يجد من ينقذه حين احتاج المساعدة.

 

ما حدث يعكس ثقافة عامة في مؤسسات الدولة: التستر على الفشل، ودفن الحقيقة بالروتين، والرضا بالبيانات العقيمة بدلًا من الإصلاح. فبدلاً من نشر تقرير شفاف يكشف المسؤولية مباشرة، يجري الحديث عن لجان متابعة و"إجراءات مستقبلية"، في وقتٍ يعرف الجميع أن المأساة القادمة مسألة وقت لا أكثر.

 

إن أرواح الأطفال وذوي الهمم تزهق لأن المسؤولين ينظرون إلى التدريب والتأهيل بوصفهما "عبئًا ماليًا" لا ضرورة إنسانية. الملاعب المصرية لا تفتقر إلى المواهب، بل إلى ضمير إداري وعلمي يضع حياة الإنسان في صدارة الأولويات.

 

إن فاجعة جون ليست النهاية، بل جرس إنذار أخير قبل أن يتحول الإهمال الرياضي إلى وباء وطني. كل مؤسسة صمتت أو تهاونت في مسؤوليتها شريكة في الجريمة: الاتحاد، الوزارة، النادي. والسكوت على ذلك تواطؤ صريح.

 

جسد جون فارق الحياة، لكن قضيته ستبقى شاهدًا على أن في مصر نظامًا يقتل الأمل قبل أن يقتل الإنسان.