عام كامل مرّ على صدور قانون رعاية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024، دون أن تكلّف حكومة الانقلاب نفسها عناء إصدار لائحته التنفيذية، رغم نص القانون الصريح على ضرورة صدورها خلال ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية.

 

هذا التعطيل المتعمَّد لا يعني سوى شيء واحد: السلطة غير معنية فعليًا بكبار السن، ولا مستعدة لدفع أي كلفة حقيقية لحماية من أفنوا أعمارهم في خدمة هذا البلد. ورغم أن القانون يفترض أن يكون نقلة نوعية في مجال رعاية المسنين، فإن غياب اللائحة التنفيذية حوّله إلى حبر ثقيل على ورق رسمي، بينما يظل ملايين المسنين في مواجهة الفقر والمرض والعزلة بلا سند حقيقي من دولة العسكر.

 

قانون شامل.. قتله غياب الإرادة

 

قانون رعاية حقوق المسنين يعرّف المسن بأنه كل مصري بلغ الخامسة والستين، ويعد بحزمة حقوق واسعة: رعاية صحية ونفسية، حماية من الإساءة والاستغلال، أولوية في برامج الحماية الاجتماعية، وإعفاءات جزئية من تكاليف الإقامة في دور الرعاية واستخدام وسائل النقل العام، إلى جانب إنشاء «صندوق رعاية المسنين» لتمويل الخدمات. كما ينص على تجريم الإهمال أو الاعتداء على المسن بعقوبات قد تصل إلى الحبس لسنوات في حال ترتب على الاعتداء إصابة جسيمة أو وفاة.

 

كل هذا يبدو – على الورق – إنجازًا اجتماعيًا متقدّمًا، لكن القانون نفسه يشترط أن تحدد اللائحة التنفيذية تفاصيل هذه الحقوق: شروط الاستفادة، جهة الاختصاص، هيكل الصندوق، آليات التمويل، وضوابط عمل مؤسسات الرعاية ومرافق المسن. وبغياب اللائحة، تصبح كل هذه المواد «نوايا حسنة» مفرغة من أي أثر، وكأن النظام أراد أن يشتري عنوانًا إنسانيًا في الجريدة الرسمية، دون أن يدفع ثمنًا واحدًا على مستوى الموازنة أو السياسات الفعلية.

 

ستة أشهر تحوّلت إلى استهتار بالدستور

 

القانون نُشر في الجريدة الرسمية في 4 أبريل 2024، وحدد ستة أشهر كحد أقصى لإصدار اللائحة التنفيذية، أي في موعد أقصاه 4 أكتوبر 2024، لكن الحكومة تجاوزت هذه المهلة بأشهر طويلة دون أي تبرير، ما دفع نوابًا إلى الحديث صراحة عن «إهانة لإرادة البرلمان» و«استهتار بالدستور». ورغم إعلان رئاسة الوزراء في سبتمبر 2024 تشكيل لجنة لإعداد مشروع اللائحة التنفيذية، بقيت اللائحة «رهينة الأدراج»، ولم يرَ الشارع أي نتيجة حتى منتصف 2025، حسب تغطيات صحفية وبرلمانية متطابقة.

 

النائب فريدي البياضي، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تقدّم بعدة طلبات إحاطة لرئيس الوزراء ووزيرة التضامن، كاشفًا أن ممثلي الوزارة أقرّوا بأن المسودة النهائية رُفعت لمجلس الوزراء في أكتوبر 2024، ورغم ذلك لم تُصدر الحكومة شيئًا حتى الآن. في بيان شديد اللهجة، وصف البياضي هذا التعطيل بأنه «استهتار غير مقبول بحقوق فئة كريمة من المجتمع»، متسائلًا بسخرية مُرّة: «يا حكومة، منتظرين الشعب كله يبقى مسنين؟!»

 

أصوات القانونيين: قانون بلا لائحة = حبر على ورق

 

المحامي الحقوقي مالك عدلي يرى أن ما جرى مع قانون رعاية حقوق المسنين نموذج فجّ لكيفية تحويل التشريع إلى جثة بلا روح؛ فبدون لائحة تنفيذية يصبح القانون «مُعطَّلًا بحكم الواقع»، ويستحق أن يكون محل مساءلة برلمانية وقانونية، لأن الحكومة خالفت صراحة المدة الزمنية الملزمة التي وضعها المشرِّع. عدلي يحذّر من أن هذا النمط بات منهجيًا في دولة الانقلاب: قوانين تُسنّ بكثافة للاستهلاك الإعلامي أو لإرضاء شركاء خارجيين، ثم تُنسى في زحام الأوراق، وكأن الدولة تعلن التزامًا شكليًا بحقوق الإنسان بينما ترفض دفع ثمن تطبيقها.

 

خبراء دستوريون حذروا، في تحليلات صحفية متزامنة، من أن تعطيل اللوائح التنفيذية لقوانين مقرّة وموقَّعة من رئيس الجمهورية يشكل انتهاكًا لمبدأ سيادة القانون ذاته، ويحوّل الدستور إلى ديكور فاخر لا يردع السلطة التنفيذية عن دهس الجداول الزمنية الملزمة. ويشير هؤلاء إلى أن قانون المسنين ليس حالة منفردة؛ بل واحد من عدة قوانين «مصيرية» اعترف الإعلام المقرَّب من النظام بأنها تنتظر «إفراج الحكومة» عن لوائحها، بما يكشف عن خلل إداري وسياسي عميق لا يتعلق بالعجز الفني بل بغياب الإرادة.

 

خبراء الصحة والمجتمع: إهدار لحق فئة هشّة

 

الدكتور علاء غنّام، رئيس وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يشدد على أن كبار السن فئة شديدة الهشاشة في ظل أزمات اقتصادية وصحية متراكمة، وأن تعطيل قانون صُمّم خصيصًا لحمايتهم يمثل إهدارًا فاضحًا لواجب أي «أمة متحضرة» تجاه أطفالها ومسنيها. في نظره، عدم إصدار اللائحة التنفيذية يعني عمليًا غياب الأجهزة والبنية المؤسسية المنوطة بإنفاذ القانون، وغياب المباني والموظفين والميزانيات الكفيلة بتقديم خدمات واقعية، لا شعارات مناسباتية.

 

من داخل البرلمان نفسه، كان وكيل لجنة التضامن الاجتماعي النائب أحمد فتحي قد اعتبر عند إقرار القانون أن رعاية كبار السن «ردّ بسيط على ما قدّموه لمصر»، مشددًا على ضرورة توفير الموارد وتفعيل النصوص حتى لا يتحوّل القانون إلى عنوان بلا مضمون. لكن ما فعلته حكومة الانقلاب منذ التصديق وحتى اليوم هو العكس تمامًا: تجاهلٌ متواصل للموعد القانوني، ومراوغة في إدراج تكاليف الصندوق والبرامج المصاحبة ضمن الموازنة العامة، كما أشار حقوقيون واقتصاديون متابعون للملف.

 

من جانبها، نظّمت النائبة نشوى الديب ومؤسستها للتنمية مؤتمرًا بعنوان «حقوق كبار السن في مصر بين صدور القانون وفاعلية التطبيق»، وهو عنوان يختصر الفجوة بين الورق والواقع، حيث خلص المشاركون إلى أن تجميد اللائحة التنفيذية يُفرغ القانون من مضمونه ويعمّق شعور كبار السن بالتهميش. كما طالبت منظمات مجتمع مدني، في بيان متداول على منصات التواصل، بالتعجيل بإصدار اللائحة، مؤكدة أن هذا التعطيل يحرم المسنين من حقوق أقرّتها التشريعات نفسها التي تتغنّى بها الحكومة في خطابها الرسمي.


9.3 مليون مسن بلا حماية.. منطق الغابة الاجتماعي

 

بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المسنين في مصر (60 عامًا فأكثر) نحو 9.3 مليون مواطن في نهاية سبتمبر 2024، بنسبة تقارب 8.8% من السكان، مع توقعات بارتفاع النسبة في السنوات المقبلة بفعل التحولات الديموغرافية. هذه الكتلة البشرية الضخمة تعيش اليوم في فراغ تشريعي–تنفيذي فاضح: قانون موجود على الورق، بلا لائحة، بلا صندوق فعّال، بلا آليات حماية من العنف الأسري أو الاستغلال الاقتصادي أو الإهمال الصحي.

 

في دولة تحكمها عقلية الانقلاب، يصبح كبار السن مجرد عبء حسابي في جداول الدعم والتموين، لا مواطنين كاملي الحقوق يستحقون شبكة أمان تحترم آدميتهم بعد عقود من العمل والضرائب. تعطيل لائحة قانون المسنين ليس تفصيلًا بيروقراطيًا؛ إنه إعلان صريح بأن منطق الغابة – الأقوى اقتصاديًا هو الذي ينجو – هو القاعدة الفعلية، وأن من يسقطون من أعين حكومة العسكر، من الفقراء والمسنين وذوي الهشاشة، لا يرون من الدولة إلا بيانات جوفاء ووعودًا لا تصل أبدًا إلى عتبة بيوتهم.