في واحدة من أعنف الهجمات التي تشهدها المنطقة الجنوبية منذ سقوط نظام بشار الأسد، استيقظت قرية "بيت جن" بريف دمشق الغربي، فجر أمس، على وقع مجزرة دموية خلفت 13 قتيلاً وعشرات المصابين، جراء هجوم إسرائيلي واسع النطاق تخلله قصف جوي ومدفعي واشتباكات مباشرة مع السكان.

 

تفاصيل "ليلة الرعب" في بيت جن

 

بدأت الأحداث بتوغل قوة عسكرية إسرائيلية خاصة، مدعومة بآليات غير مدرعة، إلى عمق القرية الواقعة على سفوح جبل الشيخ، في محاولة لتنفيذ حملة اعتقالات "خاطفة". ووفقًا لروايات شهود عيان ومصادر محلية، فوجئت القوة المتوغلة بمقاومة شرسة من الأهالي الذين حاصروا الجنود وتصدوا لهم، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة استدعت تدخل الطيران الحربي والمسيرات الإسرائيلية لفك الحصار عن القوة المحاصرة.

 

تحولت شوارع القرية الوادعة إلى ساحة حرب حقيقية، حيث قصفت الطائرات الإسرائيلية بشكل عشوائي المنازل والمركبات، ما أسفر عن مقتل 13 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وإصابة أكثر من 24 آخرين بجروح متفاوتة، نُقل بعضهم بحالة حرجة إلى مستشفيات "المواساة" و"المجتهد" في دمشق، ومستشفى "قطنا" بريفها.

 

وأكد "وليد عكاشة"، مختار القرية، أن "بيت جن" خالية تمامًا من أي وجود لفصائل مسلحة أو تنظيمات إرهابية كما تدعي إسرائيل، واصفًا ما جرى بـ"العدوان الغاشم" على مدنيين عزل دافعوا عن بيوتهم وأعراضهم. وأضاف أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها القرية لانتهاكات، مشيرًا إلى اختطاف 7 من أبنائها في هجوم مماثل في يونيو الماضي، لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اللحظة.

 

الرواية الإسرائيلية: "عملية استباقية" وخسائر في صفوف الجيش

 

في المقابل، اعترف الجيش الإسرائيلي بصعوبة العملية، معلنًا عن إصابة 6 من جنوده، بينهم 3 في حالة خطرة، خلال الاشتباكات. وبرر المتحدث باسم الجيش، أفيخاي أدرعي، الهجوم بأنه استهدف "خلايا إرهابية" تابعة لـ"الجماعة الإسلامية"، زاعمًا أنها كانت تخطط لزرع عبوات ناسفة وتنفيذ هجمات صاروخية ضد إسرائيل انطلاقًا من المنطقة الحدودية.

 

وأكد الجيش أن العملية تندرج ضمن استراتيجية "المعركة بين الحروب" التي تهدف إلى منع تموضع أي قوى معادية قرب الحدود في الجولان المحتل، مشددًا على أنه "لن يسمح بتحويل جنوب سوريا إلى قاعدة متقدمة لإيران أو وكلائها".

 

دمشق: "جريمة حرب" وإعلان حرب غير معلن

 

ردود الفعل السورية جاءت غاضبة وحادة. وصفت وزارة الخارجية في دمشق الهجوم بـ"جريمة حرب متكاملة الأركان"، و"إرهاب دولة منظم" يستهدف المدنيين لترويعهم وتهجيرهم. وطالبت الحكومة السورية مجلس الأمن الدولي بالتحرك الفوري لمحاسبة إسرائيل، محذرة من أن استمرار هذه الاعتداءات يهدد بإشعال المنطقة بأسرها.

 

من جانبه، اعتبر الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في تصريحات سابقة لصحيفة تركية، أن السلوك الإسرائيلي، بما في ذلك استهداف القصر الرئاسي ومقر وزارة الدفاع مؤخرًا، يرقى إلى "إعلان حرب"، لكنه أقر في الوقت ذاته بـ"الواقعية السياسية" التي تفرض ضرورة التوصل إلى تفاهمات أمنية، رغم انعدام الثقة بتل أبيب.

 

سياق متوتر: انهيار التفاهمات ومخاوف من المجهول

 

تأتي هذه التطورات في ظل مشهد معقد تعيشه سوريا منذ الإطاحة بنظام الأسد قبل عام. فبعد انهيار اتفاق "فض الاشتباك" لعام 1974، استغلت إسرائيل الفراغ الأمني للتوغل في المنطقة العازلة والسيطرة على مواقع استراتيجية في جبل الشيخ، بذريعة حماية أمنها.

 

ورغم الجهود الدبلوماسية التي قادتها الولايات المتحدة مؤخرًا لإرساء تهدئة أمنية بين دمشق وتل أبيب، يبدو أن إسرائيل ماضية في فرض "قواعد اشتباك" جديدة بالنار، مستغلة انشغال الحكومة الانتقالية بترتيب البيت الداخلي ومواجهة تحديات إعادة الإعمار.

 

إدانة دولية ومخاوف أممية

 

على الصعيد الدولي، نددت الأمم المتحدة بالهجوم، واصفة إياه بـ"الانتهاك الصارخ" لسيادة سوريا وسلامة أراضيها. وأعربت بعثة الاتحاد الأوروبي عن قلقها العميق إزاء ارتفاع حصيلة الضحايا المدنيين، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد.

 

ختامًا، تفتح مجزرة "بيت جن" الباب واسعًا أمام سيناريوهات قاتمة في الجنوب السوري، حيث تتداخل الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع هشاشة الوضع الداخلي السوري، مما ينذر بموجات جديدة من العنف قد لا تقف عند حدود القرى الحدودية، بل قد تشعل فتيل مواجهة أوسع في منطقة تعج بالبارود.