زياد بركات

قاص وروائي وصحفي فلسطيني

 

تغيب مصر عن واحد من أكبر الأحداث في الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق. وعندما تحضر، فإنّما من خلال معبر رفح لتأمين خروج أميركيين وأجانب علقوا في إسرائيل، والأخيرون سيجدون ترحيبًا في القاهرة كنّا نتمنّى أن يجده الغزّيون الذين يُسمح لهم، بأعداد قليلة جدًا وبعد إجراءاتٍ معقّدة، بالخروج من القطاع إلى مصر للعلاج أو لأسباب قاهرة أخرى.

 

تتمتّع مصر بمكانة رفيعة ونادرة في الوجدان الفلسطيني والعربي، لكنّ استقالتها من دورها الإقليمي الحقيقي جعلتها تخرج من الملعب والمطبخ السياسي المتعلّق بشؤون المنطقة، فبعد أن كان يُخطَب ودُّها، أصبحت على هامش الأحداث الكبرى، وهذا مؤسف، ما كنّا نتمنّاه لكبرى دول المنطقة، صاحبة الريادة في غير ذي شأن، وكانت في بؤرة أيّ حدث إقليمي عقودًا، فلا سلام ولا حرب من دونها.

 

ومن يتابع الحرب على إيران (ومن لا يتابع؟) سيلاحظ أنها غائبة، ولولا "صحاب الأرض"، وهو دراما في رمضان بديعة تفوّق فيها منتجوها على أنفسهم، لذهب الظنّ بنا إلى أنها تقع في قارّةٍ أخرى غير تلك التي تدور فيها رحى حرب مدمّرة قد تغيّر نتائجها مستقبل المنطقة ومصير شعوبها.

 

ومآل مصر المحزن ليس تهميشًا قهريًا أو جرّاء مؤامراتٍ تصل الليل بالنهار لاستهدافها، بل هواختيار، على الأغلب. فما كانت تحوزه القاهرة من مكانة رفيعة وقدرات كبيرة ليس من الصعب استعادته. فإذا كان التراجع اختيارًا فإنّ التقدّم قرارٌ في آخر الأمر، ولكن ليس للعب دور استعراضي ومحض وظيفي خدمي، بل لإعادة تموضع جديد يعيد مصر إلى مكانها ومكانتها رقمًا صعبًا في المنطقة. وهو ما لا يتحقّق بمزيد من الانعزال، بل بالانخراط في مجريات الأحداث من حولها. وهذا ما تفعله الدول، صغيرها وكبيرها، وهو ما تستطيعه القاهرة التي خلّف غيابها فراغًا ملأته دول صغيرة في المنطقة، ربّما لم يكن بعضها يرغب بذلك أصلًا.

 

في مقدور القاهرة استغلال اللحظة الاستثنائية لربط الملفّات بعضها ببعض، ربط مصير الفلسطينيين بنتائج الحرب الدائرة، والدفع بفكرة حتمية الاعتراف بدولة فلسطينية في اليوم التالي للحرب على إيران، وعدم الاكتفاء بتسويق رفضها تهجير الغزّيين، فهذه أصبحت وراءنا، بل الدفع في اتجاه وضع المسألة الفلسطينية، وفي مقدمته إقامة دولة مستقلّة، في صلب النقاش الدائر، باعتبارها شرطًا وجوديًا للاستقرار في المنطقة. فما كان لدولٍ مثل إيران أن تتمدّد ويتوسّع نفوذها في الإقليم لولا أنّ ثمّة عدالة مفقودة في المنطقة وجرحًا غائرًا في وجدان شعوبها، استثمرته الجمهورية الإسلامية سياسيًا وأفلحت، وأنشأت المحاور وسلّحت المجموعات، بل أصبحت صاحبةَ الكلمة الفصل في أكثر من عاصمة عربية، وذلك لأنّ ثمّة تراجعًا من العرب عن تحمّل مسؤولياتهم.

 

ولم تكن إيران في هذا جمعيةً خيرية، بل دولة تغلّب مصالحها، ومنها أن تكون قوة إقليمية وأن تهيمن وتفرض الشروط التي كان كثيرها يتغطّى بالمظلومية الفلسطينية الكبرى. لم تلعب إيران الإسلامية على وتر الطائفة (وقد استغلّته إلى حدوده القصوى) وحسب، بل على وتر المظلومية أيضًا، ونجحت في مسعاها. والمظلومية لن تنتهي بإخراج إيران من معادلات القوة والنفوذ في المنطقة والعالم، بل ستزداد توحّشًا لأن إسرائيل التي ستخرج منتصرةً من الحرب ستزداد غطرسةً وفرضًا للشروط، وخصوصًا في الشأن الفلسطيني. وهنا بالضبط تحتاج المنطقة إلى مصر، وإلى ضربة استباقية منها لفرض شروط دول المنطقة على الطاولة في البحث عن معالم اليوم التالي للحرب على إيران.

 

وتستطيع القاهرة والرياض تحديدًا فعل كثير في هذا الشأن، فعلى أحدهم أن يدفع الثمن. فضرب إيران وتوسيعُها رقعة الدول المستهدَفة بهجماتها المضادّة (دول الخليج والأردن والعراق)، من شأنه أن يخلق ربّما تحالفًا قهريًا بين "الأعداء". وما لم يكن هناك إدراك عالٍ لذلك لتجنّب تداعياته، فإن إسرائيل ستهيمن تمامًا على المنطقة، وتقذف بالقضية الفلسطينية في فراغ الأمنيات، والعرب في عراء الأمم وعلى هامشها.

 

من يمنع ذلك؟ مصر والسعودية وبقية المنظومة العربية. وثمّة فرصة لقبض الثمن، وليس دفعه دائمًا من جيوب العرب وعلى حساب مصالحهم وقضاياهم العادلة.