في خطوة تصعيدية جديدة تكشف عن الوجه القبيح لسياسات الجباية التي تنتهجها السلطة الحالية، ااشتكى العديد من المصريين من تغليظ غير مسبوق لعقوبات "سرقة التيار الكهربائي"، في وقت يعاني فيه المواطن من أزمات معيشية طاحنة.

 

لم تكتفِ حكومة الانقلاب برفع الدعم، بل تحولت وزارة الكهرباء إلى ما يشبه "مصلحة ضرائب عقابية"، تفرض غرامات خيالية وتلوح بالحبس، بينما تقدم "العداد الكودي" كحل إجباري، يراه مراقبون فخًا لاستنزاف ما تبقى في جيوب البسطاء، وليس حلاً لأزمة الطاقة.

 

إرهاب الغرامات: السجن والجباية المليونية

 

أظهرت التعديلات التشريعية الأخيرة التي أقرتها الحكومة في نوفمبر 2025 نية مبيتة لتحصيل الأموال بأي ثمن، متجاوزة حدود المنطق والعدالة الاجتماعية. فوفقًا للقانون الجديد، تم تغليظ العقوبات لتصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن سنة (بدلاً من 6 أشهر)، وغرامات مالية تبدأ من 100 ألف جنيه وتصل إلى مليون جنيه. هذه الأرقام الفلكية لا تستهدف كبار لصوص المال العام، بل موجهة للمواطن العادي الذي قد يجد نفسه متهمًا بـ "سرقة التيار" بسبب خطأ فني أو تقدير جزافي من لجان "الضبطية القضائية" التي باتت تمارس دورًا بوليسيًا مرعبًا في الأحياء والقرى.

 

اللافت في هذه الحملة هو غياب الرقابة الحقيقية على محرري المحاضر، حيث تحولت تلك اللجان إلى أداة لترويع المواطنين. وتشير تقارير حقوقية وشكاوى ميدانية إلى أن آلاف المحاضر يتم تحريرها "ظلمًا" لابتزاز المواطنين ودفعهم للتصالح بمبالغ طائلة. فبدلاً من معالجة الفقد الفني في الشبكات المتهالكة، اختارت السلطة الطريق الأسهل: مد يدها في جيب المواطن تحت شعار "مكافحة السرقة"، بينما هي في الحقيقة تمارس "جباية مقننة" لسد عجز الموازنة.

 

العداد الكودي: فخ "التقنين" لاستنزاف الجيوب

 

تروج الحكومة لنظام "العداد الكودي" كبديل لنظام "الممارسة"، زاعمة أنه يحقق العدالة، لكن الواقع يكشف عكس ذلك. الانتقال الإجباري لهذا النظام، والتهديد برفع العدادات القديمة (التي يمتلكها أكثر من 42 مليون مشترك) في حال التأخر عن السداد، يكشف عن رغبة محمومة في تحويل خدمة الكهرباء إلى سلعة تجارية بحتة، خالية من أي بعد اجتماعي.

 

العداد الكودي، الذي يُركب للعقارات المخالفة أو العشوائية، لا يمنح الساكن أي حقوق ملكية أو سند قانوني للوحدة السكنية، بل هو مجرد أداة "تحصيل" تضمن للحكومة دفع المواطن للمقابل مقدمًا (نظام الكارت). ويرى خبراء أن إلغاء نظام الممارسة واستبداله بالعداد الكودي هو "فخ" يهدف لرفع الدعم كليًا عن هذه الفئات، ومحاصرتهم بتعريفة استهلاك أعلى، مع تحميلهم تكلفة تركيب العداد التي ترهق ميزانية الأسر الفقيرة أصلاً. الشروط التعجيزية والبيروقراطية المصاحبة لعملية التركيب تزيد من معاناة المواطنين، مما يجعلهم فريسة سهلة للغرامات والمحاضر اليومية.

 

قصص من الواقع: ضحايا الجباية العشوائية

 

الصرخات القادمة من الشارع المصري تؤكد أن ما يحدث هو "مجرزة مالية". في إحدى الوقائع الصادمة التي تكشف عشوائية التقدير، فوجئ صاحب محل تجاري بسيط في منطقة الهرم بمحضر سرقة تيار بقيمة 156 ألف جنيه، والسبب المزعوم هو "وصلة لغلاية مياه (كاتيل)"، رغم تأكيده على عدم وجود أي وصلات خارجية. وفي واقعة أخرى أكثر فجاجة، حُرر محضر بقيمة 2 مليون و400 ألف جنيه لصاحب مصنع صغير ملتزم بسداد فواتيره الشهرية التي تتجاوز 200 ألف جنيه، بدعوى وجود "تلاعب داخلي" في العداد، وهو اتهام جاهز بات سيفًا مسلطًا على رقاب الجميع.

 

هذه الحالات ليست فردية، بل نمط ممنهج يعكس سياسة الدولة في "تحصيل الأموال" بأي طريقة. الموظف الذي يحرر المحضر يمتلك سلطة مطلقة، والمواطن يقف عاجزًا بين خيارين: الدفع أو الحبس. حتى عندما يحاول المواطن التظلم، يواجه بتعنت إداري ومطالبة بسداد جزء من الغرامة أولاً، مما يؤكد أن الهدف هو "الكاش" وليس تطبيق القانون أو العدالة.

 

خنق الفقراء.. سياسة دولة أم فشل اقتصادي؟

 

ما يحدث في ملف الكهرباء لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي العام وفشل حكومة الانقلاب في إدارة موارد الدولة. اللجوء إلى جيوب الفقراء عبر بوابة "الكهرباء" هو محاولة بائسة لتغطية الفشل في جذب الاستثمارات أو إدارة الديون المتراكمة. إن وصف هذه الممارسات بـ "الجباية" لم يعد مجرد شعار سياسي، بل توصيف دقيق لواقع يضطر فيه المواطن لدفع ثمن فساد وفشل منظومة الحكم.

 

إن إصرار الحكومة على المضي قدمًا في هذه السياسات، متجاهلة أنين الطبقات المطحونة، ينذر بانفجار اجتماعي وشيك. فالكهرباء ليست سلعة رفاهية، بل حق أساسي للحياة، وتحويلها إلى أداة للقهر المالي والابتزاز هو جريمة في حق الشعب المصري، تضاف إلى سجل طويل من الجرائم الاقتصادية والاجتماعية لهذه السلطة.