بدأت الأحزاب السياسية في مصر في التدخل في سلاسل الإمداد المحلية لتوفير السلع الأساسية، وخاصة المواد الغذائية، بأسعار مخفضة للمستهلكين.

افتتحت بعض الأحزاب، خاصة تلك التي تمتلك موارد مالية، منافذ تجارية في مختلف المدن، حيث تبيع مواد غذائية مثل اللحوم والدواجن بأسعار أقل من السوق.

في هذه المنافذ، تباع السلع مثل الأرز والمكرونة والعدس والزيوت بأسعار أقل بحوالي 25% من أسعار السوق، مما يجذب المستهلكين ويوفر لهم متنفسًا في ظل ارتفاع الأسعار الحاد.

يقول محمد محمود، وهو موظف حكومي في منتصف الأربعينيات: "هذه المنافذ هي شعاع أمل وسط هذه الزيادة غير المعقولة في أسعار الغذاء. آمل أن تظل مفتوحة طوال العام، وليس فقط قبل الانتخابات أو خلالها".

 

التضخم والضغوط الاقتصادية

تظهر هذه المنافذ التجارية وسط ارتفاع التضخم الذي يرفع أسعار السلع الاستهلاكية، وخاصة المواد الغذائية، رغم تأكيدات الحكومة المستمرة بأن معدلات التضخم تنخفض.

إلا أن هذا الانخفاض لم يترجم بعد إلى أسعار غذاء أقل، في بلد يُصنَّف ما يقرب من ثلث سكانه على أنهم فقراء.

فعلى سبيل المثال، يُباع كيلو اللحم البقري في هذه المنافذ بـ 300 جنيهًا، في حين أن الجزارين في السوق الحرة يبيعونه بـ 450 جنيهًا. هذا الفارق في الأسعار يدفع أعدادًا كبيرة من المستهلكين إلى هذه المنافذ، بما في ذلك محمود، الذي يعيل ثلاثة أطفال.

 

أداة للدعاية الانتخابية

يأتي انتشار هذه المنافذ التجارية قبل شهر رمضان، الذي سيبدأ في مصر يوم السبت.

ورغم أنه شهر الصيام، إلا أنه يُعرف بكونه فترة استهلاك مرتفع، حيث يستهلك المصريون خلاله ضعف كمية الطعام التي يستهلكونها في أي شهر آخر، مما يجعل الإنفاق على الغذاء والمشروبات هو الأولوية الأولى للأسر المصرية.

كما أن افتتاح هذه المنافذ يتزامن مع استعداد الأحزاب السياسية لانتخابات مجلس النواب، المقرر إجراؤها في أغسطس المقبل.

وبدلاً من التركيز على القضايا السياسية أو التشريعية، يبدو أن الأحزاب اختارت معالجة احتياجات الناخبين الغذائية.

يقول سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية في القاهرة: "تسعى هذه الأحزاب إلى خلق ما يمكن أن أسميه 'رأس مال سياسي'. فهي تقدم الخدمات الاجتماعية قبل الانتخابات حتى يتذكرها الناس عند التصويت".

وأضاف أن بعض الأحزاب تقدم خدمات أخرى، مثل الفحوصات الطبية المجانية والعلاج للفقراء، الذين غالبًا ما يكونون غير مهتمين بالسياسة ولكنهم في حاجة ماسة لهذه الخدمات.

وأشار إلى أن جميع الأحزاب السياسية في مصر استخدمت هذه الاستراتيجية عبر السنين، بما في ذلك حزب الديكتاتور الأسبق حسني مبارك.

 

ضعف الأحزاب السياسية ومحدودية شعبيتها

لا تزال مصر تناقش النظام الانتخابي الذي ستتبعه الانتخابات، رغم أنه لم يتبقَ سوى أقل من ستة أشهر على إجرائها.

وتنقسم الأحزاب السياسية بشأن هذا النظام، فبينما يفضل بعضها نظام التمثيل النسبي، يفضل آخرون نظام الفائز الأول.

يعكس هذا الجدل أزمة الأحزاب السياسية في مصر، وهي افتقارها إلى الشعبية في الشارع.

ويرجع هذا الضعف إلى فشل الأحزاب في التواصل مع المواطنين، حيث أن معظم المصريين لا يستطيعون حتى تسمية عدد قليل من الأحزاب السياسية البالغ عددها أكثر من 80 حزبًا.

ومع ذلك، يبدو أن هذه الأحزاب قد وجدت وسيلة فعالة لتعريف الناس بها، وهي أن تصبح جزءًا من سلسلة الإمداد الغذائي.

 

توزيع الغذاء كرسالة سياسية

جذب استخدام الغذاء كأداة دعائية العديد من الأحزاب السياسية حتى الآن.

ويُعد حزب "مستقبل وطن"، الذي يمتلك الأغلبية في البرلمان، الأكثر نشاطًا في توفير الغذاء والاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وزع الحزب آلاف الصناديق الغذائية في مختلف المدن خلال الأيام الماضية، وحرص على وضع شعاره عليها، إلى جانب صورة للديكتاتور عبد الفتاح السيسي.

تحذو أحزاب أخرى حذوه، من بينها "حزب الشعب الجمهوري"، الذي تأسس عام 2012 من قبل مجموعة من الوزراء السابقين، ويحتل ثاني أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الحالي.

خلال الأيام القليلة الماضية، افتتح الحزب سلسلة من المنافذ التجارية في مختلف المدن، حيث يبيع جميع أنواع المواد الغذائية بأسعار مخفضة.

في 21 فبراير، افتتح منفذًا تجاريًا في "العيّاط" بمحافظة الجيزة، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 400 ألف نسمة.

كان هذا أحدث مبادرة في سلسلة من المبادرات التي أطلقها الحزب لتلبية احتياجات الغذاء لدى المواطنين، وهي مهمة تتبناها الأحزاب السياسية في مصر طواعية.

وفي 22 فبراير، وزع الحزب 21 ألف صندوق غذائي على الفقراء في محافظة أسيوط، وذلك بعد أسبوعين من تقديمه فحوصات طبية مجانية لسكان إحدى مدن الجيزة.

 

الإنفاق الضخم تحت غطاء المسؤولية الاجتماعية

يبدو أن هذه الأنشطة تستنزف مبالغ مالية ضخمة، لكن مسؤولي الأحزاب يؤكدون أنها جزء من دورهم الاجتماعي تجاه المواطنين.

يقول اللواء محمد أبو حُمَيْلة، الأمين العام لحزب الشعب الجمهوري: "يقدم الحزب كل هذه الخدمات لتخفيف الضغوط الاقتصادية عن المواطنين في جميع أنحاء البلاد".

وأضاف: "كل هذه المبادرات تأتي في إطار الدور الاجتماعي الذي ينبغي أن يلعبه حزبنا."

https://www.newarab.com/news/rice-pasta-and-cooking-oils-egypts-new-political-campaigning