قامت مصر منذ أقل من ست سنوات بتحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار في نوفمبر 2016، ورفعت أسعار الوقود في إطار حزمة إجراءات للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

وفي مارس من عام 2022 أعلنت مصر رفع أسعار الفائدة على مختلف أدوات سياستها النقدية بمقدار 100 نقطة أساس.

وهبط قرار رفع الفائدة بسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار إلى متوسط 18 جنيها من 15.7 جنيها. ويعتبر قرار رفع الفائدة في مصر متوقعًا منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تبحث مصر عن تعزيز أسواقها كقبلة جاذبة للاستثمار في أدوات الدين، وفقًا لـ"الأناضول".

تأتي القرارات وسط تدفق نحو 15 مليار دولار للخارج من سوق الدين المحلي خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط، وفقاً لحسابات "جولدمان ساكس"، وتزامن ذلك مع إجراء الدولة محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن خيارات مختلفة بما في ذلك خط ائتمان الوقاية والسيولة، وفقُا لـ"بلومبرج".

وأردفت الوكالة أن مزيجًا من ارتفاع أسعار السلع والطاقة وموجة من تشديد السياسة النقدية العالمية أدى إلى زيادة الضغط على الاقتصاد المصري، وهو ما جعل البنك المركزي يرفع أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض بمقدار 100 نقطة أساس لكل منهما إلى 9.25٪ و10.25٪ على التوالي، وهو ما أضعف الجنيه بشكل ملحوظ بعد استقراره لمدة عامين تقريبا.

وما تزال عجلة السياحة ضعيفة، خاصة وأن السياحة الروسية والأوكرانية تمثلان أسواقًا رئيسة لصناعة السياحة المصرية طيلة العقود الماضية، وبالتالي مصادر للنقد الأجنبي.

أمام هذه التطورات، تشهد الأسواق المحلية ارتفاعات متتالية في أسعار السلع، بسبب زيادة تكاليف الاستيراد والمواد الخام ومصادر الطاقة.

 

ارتفاع الأسعار

وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية في مصر حتى قبل غزو روسيا لأوكرانيا، فيما أفاد جهاز الإحصاء المصري بارتفاع معدل التضخم السنوي ليبلغ 10 في المائة لشهر فبراير، مسجلاً النسبة الأعلى منذ منتصف عام 2019 حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 20,1%.

عزة أحمد، تعمل في الإدارة التعليمية في الجيزة، قالت إن المعيشة أصبحت لا تطاق، والمصروفات أكبر من الدخل، اضطررت أنا وزوجي لإعداد خطة للعبور من هذا العام عبر تخفيض النفقات، ونقل أبنائنا من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية، وإلغاء النادي والترفيه، وبدلاً من شراء خزين البيت لشهر كامل أصبحنا نشترى كل يوم وعلى قدر احتياجاتنا.

ويقول أحمد سيد، صيدلي، لقد أثر ارتفاع الأسعار على قدرتنا الشرائية لمتطلبات البيت والأبناء مثل اللحوم والطعام والخضروات والفاكهة والخبز؛ كنا نعيش منذ العام السابق بميزانية محددة في مصروفات البيت، لكن هذه الميزانية لم تعد تكفينا حتى يوم عشرين من الشهر، ناهيك عن مصروفات الأبناء ومدارسهم ودروسهم.

 

ربنا يفرجها

عندما تجولت في إحدى مناطق الهرم التجارية بمحافظة الجيزة، ذهبت إلى أصحاب المحال لأستطلع آراءهم بعد خفض قيمة الجنيه أو كما يسميه المصريون "تعويم الجنيه".

الحاج حسين، تاجر مفروشات، في العقد السادس من عمره، يقول: "انخفضت تجارتنا بمقدار الثلث من العام السابق، فلا بيع ولا شراء، الزبائن تأتي تتفرج على البضاعة وتمشي، الأسعار غالية عليهم، وكل واحد فيهم على قد حاله، بيحاول يلمها من هنا ومن هنا علشان الدنيا تمشي".

وفي الجهة المقابلة من الشارع كان أبو علي، تاجر يبيع منتجات رمضان، يجلس على كرسيه الخشبي أمام محله، وهو يتناول فنجانًا من الشاي، اقتربت منه وسلمت عليه وأجلسني بجواره، سألته: أين الزبائن؟ فقال – مبتسمًا – خرجوا ولم يعودوا. أعجبتني ابتسامته وبساطته وسألته أن يشرح لي ما يحدث معه..

فقال: نحن الآن على أبواب شهر كريم، والناس تقبل كل عام لتشتري ياميش رمضان، من عدة سنوات كنا نأتي بالمنتجات ونبيعها ولا يتبق منها إلا القليل، أما الآن فيأتي إلينا المشتري ونحن نعرف كم كان يشتري منا قبل ذلك، فنفاجأ بأنه لا يشتري ثلث ما كان يشتريه من قبل، وعندما نسأله عن السبب يقول بنشتري ع القد علشان نفرح الأولاد.

 

الأسباب

يقول حمدي الجمل، رئيس القسم الاقتصادي بمجلة "الأهرام العربي" والخبير الاقتصادي، لقد غيرت "الحرب الروسية-الأوكرانية الأوضاع الاقتصادية في العالم كافة، فأوروبا كلها تعاني من ارتفاع أسعار النفط وما نجم عنه من ارتفاع أسعار النقل والشحن البحري والجوي في ظل ضبابية المشهد".

بيد أن الخبير الاقتصادي يشير إلى أسباب أخرى قد لا تكون مرتبطة بالصراع في أوكرانيا بل تعود إلى سياسات الحكومة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يرى أن "غياب الرقابة الحكومية وإيمان الحكومة بالرأسمالية المتوحشة أكثر من صانعي هذه السياسة في أوروبا وأمريكا، حيث الرأسمالية لها ضوابط، لكن في مصر الرأسمالية تأخذ فقط من جيوب الفقراء لصالح الأغنياء، فضلا عن هشاشة الصادرات المصرية، بمعنى ارتفاع فاتورة الاستيراد بمعدل ضعفي الواردات".

 

حلول.. ولكن

اهتمت الحكومة المصرية من جانبها بأزمة ارتفاع أسعار الغذاء، إذ قرر رئيس الحكومة مصطفى مدبولي تسعير الخبز الحرّ غير المدعوم للحد من ارتفاع ثمنه وفرض غرامات مالية على المخالفين؛ ولكن هل هذا يعالج ارتفاع ثمن الرغيف الذي قررته الحكومة؟ ومن أين يأتي الفقراء أو محدودي الدخل بالمال الكافي لشراء الخبز؟

كذلك، أعلن مدبولي عن زيادة المعاشات بنسبة 13 بالمائة (وهي الزيادة الدورية كل عام) والعلاوات الممنوحة لموظفي القطاع العام بنسبة تتراوح ما بين 8 إلى 15 بالمائة بداية من أبريل المقبل. سألت أحد الجيران وهو أستاذ على المعاش، كم تبلغ الزيادة في المعاش؟ فقال حوالي 250 جنيهًا – بالطبع بالنسبة إلى قيمة معاشه – وقال إن المعاش كله بعد هذه الزيادة سيكون نحو 2000 جنيه يعيش بهم مع زوجته وابنته التي تستعد للزواج!

ورغم ذلك، يشدد الخبير الاقتصادي حمدي الجمل على ضرورة اتخاذ المزيد من القرارات والإجراءات من جانب الحكومة.

وحسب رأيه "بداية يجب أن تقوم الحكومة بتطبيق ما تقوم به الحكومات في أوروبا وأمريكا فيما يتعلق بالرأسمالية في سياق ضبط الأسعار. يجب أن تصدر الحكومة قوانين ضبط الأسعار كما حدث في تحديد سعر الخبز وتسن القوانين الخاصة بمحاربة الاحتكار".

ويضيف بأنه "يتعين على الدولة أيضًا أن تتدخل عبر شركاتها في وزارة التموين والوزارات الأخرى المتمثلة تقريبا في 48 شركة لتقوم باستيراد السلع الأساسية جنبًا إلى جنب مع القطاع الخاص. يتعين أن تنافس الدولة القطاع الخاص بل تقهره حتى تعود الأسعار إلى ما كانت عليه"، وفقًا لـ"دويتشه فيله".

ويتوقع عدد من الخبراء أن يكون خفض قيمة الجنيه ورفع سعر الفائدة بمثابة تمهيد لحصول مصر على قرض جديد من صندوق النقد الدولي، ما يمكن أن يقود إلى رفع أسعار البنزين والسولار والغاز الطبيعي على المدى المنظور. وعادة ما يضيف رفع سعر الفائدة أعباء إلى موازنة الحكومة، لأنها ترفع كلفة الاقتراض. كما يزيد خفض العملة من كلفة الاستيراد، لكنه على الجانب الآخر يجذب المستثمرين لأدوات الدين الحكومية فيما يعرف بـ "الأموال الساخنة".

وتشير أرقام فوربس الشرق الأوسط إلى أن حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية قد وصل إلى 334,1 مليار جنيه مصري حتى يناير 2022، أي أكثر من 18 مليار دولار وفقاً لسعر الصرف الحالي.